كما يخبر عنه لم يهد إلى حقيقة السعادة ولم يدع إلى محض الحق ولاختلفت بياناته فدعاكم تارة إلى ما فيه خيركم ونفعكم وهو الذي يجلب إليكم المغفرة والرحمة ، وتارة إلى ما هو شرّ لكم وضارّ وهو الذي يثير عليكم السخط الإلهي ويستوجب لكم العقوبة .
قوله تعالى :
وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها
هذه حكاية ما طعنوا به في الرسول بعد ما حكى طعنهم في القرآن بقوله :
« وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ »
الخ .
وتعبيرهم عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلم بقولهم :
« لِهذَا الرَّسُولِ »
مع تكذيبهم برسالته مبني على التهكم والاستهزاء .
وقولهم :
ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ
استفهام للتعجيب والوجه فيه أن الوثنيين يرون أن البشر لا يسوغ له الاتصال بالغيب وهو متعلق الوجود بالمادة منغمر في ظلماتها ، ومتلوّث بقذاراتها ، ولذا يتوسلون في التوجه إلى اللاهوت بالملائكة فيعبدونهم ليشفعوا لهم عند اللّه ويقرّبوهم من اللّه زلفى فالملائكة هم المقرّبون عند اللّه المتصلون بالغيب المتعيّنون للرسالة لو كانت هناك رسالة ، وليس للبشر شيء من ذلك .
قوله تعالى :
وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً
المراد بالظالمين هم المقترحون السابقو الذكر - كما قيل - فهو من وضع الظاهر موضع المضمر ووصفهم بالظلم للدلالة على بلوغهم في الظلم والاجتراء على اللّه ورسوله .
وقولهم :
إِنْ تَتَّبِعُونَ
الخ ؛ خطاب منهم للمؤمنين تعييرا لهم وإغواء عن طريق الحق ، ومرادهم بالرجل المسحور النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم يريدون أنه مسحور سحره بعض السحرة فصار يخيّل اليه أنه رسول يأتيه ملك الوحي بالرسالة والكتاب .
قوله تعالى :
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ