الكفار كون القرآن إفكا مفترى ومن الأساطير بدعوى أنه منزل من عند اللّه منطو على أسرار خفية لا سبيل لهم إلى الوقوف عليها لا مساغ في مقام المخاصمة لرد الدعوى بدعوى أخرى مثلها أو هي أخفى منها .
على أن التعليل بقوله :
« إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً »
إنما يناسب انتفاء العقوبة من أصلها دون الإمهال والتأخير وإنما المناسب للإمهال والتأخير من الأسماء هو مثل الحليم والعليم والحكيم دون الغفور الرحيم .
والأوفق لمقام المخاصمة والدفاع بإبانة الحق والتعليل بالمغفرة والرحمة أن يكون قوله :
« إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً »
تعليلا لإنزال الكتاب وقد ذكر قبل ذلك أنه أنزله على عبده ليكون للعالمين نذيرا وهذه هي النبوة ، ويكون حينئذ وصفه تعالى بعلم السر في السماوات والأرض للإيماء إلى أن في سرهم ما يستدعي شمول المغفرة والرحمة الإلهيتين لحالهم وهو طلبهم بفطرتهم وجبلّتهم للسعادة والعاقبة الحسنى التي ليست حقيقتها إلا السعادة الإنسانية بشمول المغفرة والرحمة وإن أخطأ كثير منهم في تطبيقها على التمتع بالحياة الدنيا وزينتها الدائرة فيكون حجة برهانية على حقّية الدعوة النبوية المشتملة عليها القرآن ، وبطلان دعوى كونه إفكا من أساطير الأولين .
وتقرير الحجة أن اللّه سبحانه يعلم السر في السماوات والأرض وهو يعلم أن في سركم المستقر في سرائركم المجبولة عليه فطرتكم حبا للسعادة وطلبا وانتزاعا للعاقبة الحسنى وحقيقتها فوز الدنيا والآخرة ، وكان سبحانه غفورا رحيما ومقتضى ذلك أن يجيبكم إلى ما تسألونه في سركم وبلسان فطرتكم فيهديكم إلى سبيله التي تضمن لكم السعادة .
وهذا كتاب ينطق عليكم بسبيله فليس إفكا مفترى على اللّه ولا من قبيل الأساطير بل هو كتاب يتضمن ما تسألونه بفطرتكم وتستدعونه في سرّكم فإن استجبتم لداعيه شملتكم المغفرة والرحمة وإن توليتم حرمتم ذلك فهو كتاب منزل من عند اللّه ولو لم يكن نازلا من عنده