تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
فهو سبحانه نور يظهر به السماوات والأرض ، وهذا هو المراد بقوله :
« اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
حيث أضيف النور إلى السماوات والأرض ثم حمل على اسم الجلالة ، وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول من قال : إن المعنى اللّه منوّر السماوات والأرض ، وعمدة الغرض منه أن ليس المراد بالنور النور المستعار القائم بها وهو الوجود الذي يحمل عليها تعالى اللّه عن ذلك وتقدس . ومن ذلك يستفاد أنه تعالى غير مجهول لشيء من الأشياء إذ ظهور كل شيء لنفسه أو لغيره إنما هو عن إظهاره تعالى فهو الظاهر بذاته له قبله ، وإلى هذه الحقيقة يشير قوله تعالى بعد آيتين :
« أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ »
إذ لا معنى للتسبيح والعلم به وبالصلاة مع الجهل بمن يصلّون له ويسبّحونه فهو نظير قوله :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
( الإسراء / 44 ) ، وسيوافيك البحث عنه إن شاء اللّه . فقد تحصّل أن المراد بالنور في قوله :
« اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
نوره تعالى من حيث يشرق منه النور العام الذي يستنير به كل شيء وهو مساو لوجود كل شيء وظهوره في نفسه ولغيره وهي الرحمة العامة . وقوله :
مَثَلُ نُورِهِ
يصف تعالى نوره ، وإضافة النور إلى الضمير الراجع اليه تعالى - وظاهره الإضافة اللامية - دليل على أن المراد ليس هو وصف النور الذي هو اللّه بل النور المستعار الذي يفيضه ، وليس هو النور العام المستعار الذي يظهر به كل شيء وهو الوجود الذي يستفيضه منه الأشياء وتتصف به ، والدليل عليه قوله بعد تتميم المثل :
« يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ »
إذ لو كان هو النور العم لم يختص به شيء دون شيء بل هو نوره الخاص بالمؤمنين بحقيقة الإيمان على ما يفيده الكلام . وقد نسب تعالى في سائر كلامه إلى نفسه نورا كما في قوله :
يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ