تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
حق من عند اللّه فيؤمنوا به . وقوله :
« أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ »
« أَمْ »
فيه وفيما بعده منقطعة في معنى الإضراب ، والمعنى : بل أجاءهم شيء لم يأت آباءهم الأولين فيكون بدعا ينكر ويحترز منه . وكون الشيء بدعا محدثا لا يعرفه السابقون وإن لم يستلزم كونه باطلا غير حق على نحو الكلية لكن الرسالة الإلهية لما كانت لغرض الهداية لو صحّت وجبت في حق الجميع فلو لم يأت الأولين كان ذلك حجة قاطعة على بطلانها . قوله تعالى :
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
المراد بمعرفة الرسول معرفته بنسبه وحسبه وبالجملة بسجاياه الروحية وملكاته النفسية من اكتسابية وموروثة حتى يتبين به أنه صادق فيما يقول مؤمن بما يدعو اليه مؤيد من عند اللّه وقد عرفوا من النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم سوابق حاله قبل البعثة ، وقد كان يتيما فاقدا للأبوين لم يقرأ ولم يكتب ولم يأخذ أدبا من مؤدب ولا تربية من مربّ ثم لم يجدوا عنده ما يستقبحه عقل أو يستنكره طبع أو يستهجنه رأي ولا طمعا في ملك أو حرصا على مال أو ولعا بجاه ، وهو على ما هو سنين من عمره فإذا هو ينادي للفلاح والسعادة ويندب إلى حقائق معارف تبهر العقول ويدعو إلى شريعة تحيّر الألباب ويتلو كتابا . فهم قد عرفوا رسولهم صلّى اللّه عليه وآله وسلم بنعوته الخاصة المعجزة لغيره ، ولو لم يكونوا يعرفونه لكان لهم عذرا في إعراضهم عن دينه واستنكافهم عن الإيمان به لأن معنى عدم معرفته كذلك وجدانه على غير بعض هذه النعوت أو عدم إحرازه فيه ، ومن المعلوم أن إلقاء الزمام إلى من هذا شأنه مما لا يجوزه العقل . قوله تعالى :
أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
وهذا عذر آخر لهم تشبّثوا به إذ قالوا :
يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
( الحجر / 6 ) ذكره ورده بلازم قوله :
« بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ »
.
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 386 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي