بكونهما بشرين مثلهم نفي أن يكون لهما فضل عليهم ، ويكون قومهما عابدين فضلهم عليهما كما فضلوا على قومهما فإذا كان الفضل لهم عليهما كان من الواجب أن يعبداهم كما عبدهم قومهما لا أن يؤمنوا بهما كما قال فرعون لموسى :
لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ
ثم ختم تعالى القصة بذكر هلاكهم فقال :
« فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ »
ثم قال :
« وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ »
والمراد بهم بنو إسرائيل لأن التوراة إنما نزلت بعد هلاك فرعون وملائه .
قوله تعالى :
وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ
تقدم أن الآية هي ولادة عيسى عليه السّلام الخراقة للعادة وإذ كانت أمرا قائما به وبأمه معا عدّا جميعا آية واحدة .
والإيواء من الاويّ وأصله الرجوع ثم استعمل في رجوع الإنسان إلى مسكنه ومقره ، وآواه إلى مكان كذا أي جعله مسكنا له والربوة المكان المرتفع المستوى الواسع ، والمعين الماء الجاري .
والمعنى : وجعلنا عيسى بن مريم وأمه مريم آية دالّة على ربوبيتنا وأسكنّاهما في مكان مرتفع مستو وسيع فيه قرار وماء جار .
قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
خطاب لعامة الرسل بأكل الطيبات وكأن المراد بالأكل منها الارتزاق بها بالتصرف فيها سواء كان بأكل أو غيره وهو استعمال شائع .
والسياق يشهد بأن في قوله :
« كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ »
امتنانا منه تعالى عليهم ، ففي قوله عقيبه :
« وَاعْمَلُوا صالِحاً »
أمر بمقابلة المنّة بصالح العمل وهو شكر للنعمة وفي تعليله بقوله :
« إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ »
تحذير لهم من مخالفة أمره وبعث إلى ملازمة التقوى .
قوله تعالى :
وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ
تقدم تفسير