تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
يَشْقى
في الآية قضاء منه تعالى متفرع على الهبوط ولذا عطف بفاء التفريع ، وأصل قوله :
« فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ »
فإن يأتكم زيد عليه ما ونون التأكيد للإشارة إلى وقوع الشرط كأنه قيل : إن يأتكم مني هدى - وهو لا محالة آت - فمن اتبع ، الخ . وفي قوله :
« فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ »
نسبة الاتباع إلى الهدى على طريق الاستعارة بالكناية ، وأصله : من اتبع الهادي الذي يهدي بهداي . وقوله :
« فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى »
أي لا يضلّ في طريقه ولا يشقى في غايته التي هي عاقبة أمره ، وإطلاق الضلال والشقاء يقضي بنفي الضلال والشقاء عنه في الدنيا والآخرة جميعا وهو كذلك فإن الهدى الإلهي هو الدين الفطري الذي دعا اليه بلسان أنبيائه ، ودين الفطرة هو مجموع الاعتقادات والأعمال التي تدعو إليها فطرة الإنسان وخلقته بحسب ما جهّز به من الجهازات ، ومن المعلوم أن سعادة كل شيء هو ما تستدعيه خلقته بما لها من التجهيز لا سعادة له وراءه ، قال تعالى :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
( الروم / 30 ) . قوله تعالى :
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى
قال الراغب : العيش الحياة المختصة بالحيوان وهو أخص من الحياة لأن الحياة يقال في الحيوان وفي الباري تعالى وفي الملك ويشتق منه المعيشة لما يتعيّش منه ، قال تعالى :
« نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا »
« مَعِيشَةً ضَنْكاً »
انتهى ، والضنك هو الضيق من كل شيء ويستوي فيه المذكر والمؤنث ، يقال : مكان ضنك ومعيشة ضنك وهو في الأصل مصدر ضنك يضنك من باب شرف يشرف أي ضاق . وقوله :
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي
يقابل قوله في الآية السابقة :
« فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ »
وكان مقتضى المقابلة أن يقال : « ومن لم يتبع هداي » وإنما عدل عنه إلى ذكر الإعراض عن الذكر ليشير به إلى علة الحكم لأن نسيانه تعالى والإعراض عن ذكره هو السبب لضنك
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 213 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي