تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
بمقايسة المعيشة المضافة إلى المؤمن وهو مسلح بذكر اللّه والإيمان به من المعيشة المضافة إلى الكافر الناسي لربه المتعلق النفس بالحياة الدنيا الأعزل من الإيمان ولا ريب أن للمؤمن حياة حرة سعيدة يسعه ما أكرمه ربه به من معيشة وإن كانت بالعفاف والكفاف أو دون ذلك ، وليس للمعرض عن ذكر ربه إلا عدم الرضا بما وجد والتعلق بما وراءه . نعم عذاب القبر من مصاديق المعيشة الضنك بناء على كون قوله :
« فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً »
متعرضا لبيان حالهم في الدنيا وقوله :
« وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى »
لبيان حالهم في الآخرة والبرزخ من أذناب الدنيا . وقوله :
« وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى »
أي بحيث لا يهتدي إلى ما فيه سعادته وهو الجنة والدليل على ذلك ما يأتي في الآيتين التاليتين . قوله تعالى :
قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً
يسبق إلى الذهن أن عمى يوم القيامة يتعلق ببصر الحس فإن الذي يسأل عنه هو ذهاب البصر الذي كان له في الدنيا وهو بصر الحس دون بصر القلب الذي هو البصيرة ، فيشكل عليه ظاهر ما دلّ على أن المجرمين يبصرون يوم القيامة أهوال اليوم وآيات العظمة والقهر كقوله تعالى :
إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا
( ألم السجدة / 12 ) ، وقوله :
اقْرَأْ كِتابَكَ
( الإسراء / 14 ) ، ولذلك ذكر بعضهم أنهم يحشرون أولا مبصرين ثم يعمون ، وبعضهم أنهم يحشرون مبصرين ثم عميا ثم مبصرين . وهذا قياس أمور الآخرة وأحوالها بما لها من نظير في الدنيا وهو قياس مع الفارق فإن من الظاهر المسلّم من الكتاب والسنة أن النظام الحاكم في الآخرة غير النظام الحاكم في الدنيا الذي نألفه من الطبيعة وكون البصير مبصرا لكل مبصر والأعمى غير مدرك لكل ما من شأنه أن يرى كما هو المشهود في النظام الدنيوي لا دليل على عمومه للنظام الأخروي فمن الجائز أن يتبعض الأمر هناك فيكون المجرم أعمى لا يبصر ما فيه سعادة حياته وفلاحه وفوزه