تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
توهّمه إلا اللّه ولم يجد الكلام إلا كلامه ولو احتمل أن يكون المتكلم غيره أو الكلام كلام غيره لم يكن تكليما ليس بين الإنسان وبين ربه غيره . وهذا حال النبي والرسول في أول ما يوحى اليه بالنبوة والرسالة لم يختلجه شك ولا اعترضه ريب في أن الذي يوحى اليه هو اللّه سبحانه من غير أن يحتاج إلى إعمال نظر أو التماس دليل أو إقامة حجة ولو افتقر إلى شيء من ذلك كان اكتسابا بواسطة القوة النظرية لا تلقّيا من الغيب من غير توسّط واسطة . فإن قلت : قوله تعالى في القصة في موضع آخر من كلامه :
« وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا »
. وقوله في موضع آخر : « من جانب الطور الأيمن من الشجرة » يثبت الحجاب في تكليمه عليه السّلام . قلت : نعم لكن ثبوت الحجاب أو الرسول في مقام التكليم لا ينافي تحقق التكليم بالوحي فإن الوحي كسائر أفعاله تعالى لا يخلو من واسطة وإنما يدور الأمر مدار التفات المخاطب الذي يتلقى الكلام فإن التفت إلى الواسطة التي تحمل الكلام واحتجب بها عنه تعالى كان الكلام رسالة أرسل اليه بملك مثلا ووحيا من الملك ، وإن التفت اليه تعالى كان وحيا منه وإن كان هناك واسطة لا يلتفت إليها ، ومن الشاهد على ما ذكرنا قوله في الآية التالية خطابا لموسى :
« فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى »
فسمّاه وحيا ، وقد أثبت في سائر كلامه فيه الحجاب . وبالجملة قوله :
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ
الخ ؛ تنبيه لموسى على أن الموقف موقف الحضور ومقام المشافهة وقد خلى به وخصّه من نفسه بمزيد العناية ، ولذا قيل : إني أنا ربك ، ولم يقل : أنا اللّه أو أنا رب العالمين ، ولذا أيضا لم يلزم من قوله ثانيا :
« إِنِّي أَنَا اللَّهُ »
تكرار ، لأن الأول تخلية للمقام من الأغيار لإلقاء الوحي ، والثاني من الوحي . وفي قوله :
نُودِيَ
حيث طوي ذكر الفاعل ولم يقل : ناديناه أو ناداه اللّه من اللطف ما