تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
نارا فيصطلوا بها . وفي قوله :
« فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا »
إشعار بل دلالة على أنه كان مع أهله غيره كما أن في قوله :
« إِنِّي آنَسْتُ ناراً »
مع ما يشتمل عليه من التأكيد والتعبير بالإيناس دلالة على أنه إنما رآها هو وحده وما كان يراها غيره من أهله ويؤيد ذلك قوله أيضا أولا :
« إِذْ رَأى ناراً »
، وكذا قوله :
« لَعَلِّي آتِيكُمْ »
الخ ؛ يدل على أن في الكلام حذفا والتقدير امكثوا لأذهب إليها لعلّي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هاديا نهتدي بهداه . قوله تعالى :
فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ
- إلى قوله -
طُوىً
طوى اسم لواد بطور وهو الذي سمّاه اللّه سبحانه بالوادي المقدس ، وهذه التسمية والتوصيف هي الدليل على أن أمره بخلع النعلين إنما هو لاحترام الوادي أن لا يداس بالنعل ثم تفريع خلع النعلين مع ذلك على قوله :
« إِنِّي أَنَا رَبُّكَ »
يدلّ على أن تقديس الوادي إنما هو لكونه حظيرة لقرب وموطن الحضور والمناجاة فيؤول معنى الآية إلى مثل قولنا نودي يا موسى ها أنا ذا ربك وأنت بمحضر مني وقد تقدّس الوادي بذلك فالتزم شرط الأدب واخلع نعليك . وعلى هذا النحو يقدّس ما يقدّس من الأمكنة والأزمنة كالكعبة المشرّفة والمسجد الحرام وسائر المساجد والمشاهد المحترمة في الإسلام والأعياد والأيام المتبركة فإنما ذلك قدس وشرف اكتسبته بالانتساب إلى واقعة شريفة وقعت فيها أو نسك وعبادة مقدّسة شرّعت فيها وإلا فلا تفاضل بين أجزاء المكان ولا بين أجزاء الزمان . ولما سمع موسى عليه السّلام قوله تعالى :
« يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ »
فهم من ذلك فهم يقين أن الذي يكلمه هو ربه والكلام كلامه وذلك أنه كان وحيا منه تعالى وقد صرّح تعالى بقوله :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ
( الشورى / 51 ) ، أن لا واسطة بينه تعالى وبين من يكلمه من حجاب أو رسول إذا كان تكليم وحي وإذ لم يكن هناك أي واسطة مفروضة لم يجد الموحى اليه مكلما لنفسه ولا