كِتَابَ الأبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) ( 1 ) ، فالسابق هو المقرّب وهو الشاهد على أعمال الأبرار ، فهو مهيمن على مقام العلّيين الذي يُدوّن فيه كتاب الأبرار ، وهو مقام غيبي ، وهو الذي أصطفيَ وورث الكتاب بوراثة لدنية ، وقد تقدّم في الطائفة الثالثة أنّ الذي عنده علم الكتاب يحيط بالكتاب المبين الذي يستطرّ فيه كلّ شيء ومنها أعمال الأبرار .
محصّل مفاد الآية ( 2 ) : إنّ السابق هو الذي اصطُفي من العباد ، والعباد ينقسمون إلى ثلاثة أقسام : ظالم ومقتصد وسابق بالخيرات .
أما الآية الأولى ( 3 ) فهي دالّة على أنّ المفزع والمصدر في الأمور هو الرسول وأولي الأمر ، وأنّ الواجب على المسلمين إذا انتابهم أمر يمسّ حياتهم الاجتماعية الرجوع والردّ إلى الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وأولي الأمر للبتّ في شأنه ; وذلك لإحاطة تلك الثلّة باستنباط واستخراج ما هو الحقّ في تدبير ما ألمّ بهم من أمر .
فالآية دالّة على أنّ تدبير الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وأولي الأمر ليس اجتهادياً ولا ظنّياً كما ذهب إليه أكثر أهل سنّة الجماعة ، بل هو تدبير عن علم وإحاطة بالأمور بأقدار من الله عزّوجلّ . فهذا الاستنباط هو استخراج صُراح الحقّ كما هو أصل معنى الاستنباط لغةً دون المعنى المصطلح عليه المتأخّر في العلوم الدينية ، وليس إعمال الموازين الظاهرية التي قد تخطأ أو تصيب ، كما لا مجال للخطأ في استخدام الموازين في تدبير الأمور العامّة من قِبل الرسول وأولي الأمر .
نعم ، قد يوهم إسناده إلى الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وأولي الأمر من ناحيتين :
هامش
( 1 ) سورة المطففين 83 : 18 - 21 .
( 2 ) وهي قوله تعالى : ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير ) .
( 3 ) سورة النساء 4 : 83 .