ولا سيما وأّن الآية قد قرنت تشريفاً - الراسخين في العلم بالله تعالى ، ونفت العلم بالكتاب كلّه عن الجميع ، وحصرته في الذات الإلهية ومن بعده بالراسخين في العلم ، ممّا يعطي شرافةً وتعظيماً للراسخين في العلم كحجج الله على خلقه ، ووهبهم ذلك النمط اللدني من العلم .
ومقتضى حجّية الكتاب وحجّية الراسخين في العلم ، أنّ حجّيته مرهونة بحجّيتهم ، وحجّيتهم مرهونة بحجّيته أيضاً ، فالحجّتان من سنخ واحد ، ممّا يدلّ على عصمتهم ; وإلاّ لو جاز عليهم الخطأ لانسدّ باب العلم في الكتاب ولزم التعطيل .
ويشير إلى مقام حجّيتهم ذيل الآية : ( وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أوْلُواْ الألْبَابِ ) ( 1 ) ، إشارة الآية إلى مثل هذه المضامين إنّما يتفطّن إليها ذو اللبّ ، لا ذو الذهنية القشرية الذي لا يبصر إلاّ القشور . وكذلك الآية اللاحقة ( رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) ( 2 ) ، أي أنّ ذوي الألباب بتفطّنهم بحجّية الراسخين في العلم بمعية الكتاب العزيز ، يكونون قد اهتدوا إلى كيفية التمسّك بالكتاب والأخذ به من دون زيغ قلوبهم عن الحقّ ; إذ من تفرّد بالأخذ بالكتاب من دون التمسّك بالراسخين بالعلم ، قد حكمت عليه الآية بزيغ قلبه ، فلذلك اتّبع المتشابه ، وأنّ اتّباعه للمتشابه طلباً لفتنة الناس عن الحقّ وعن الدين ، وطلباً لتأويل الكتاب وعطفه على ما يوافق أهوائهم وجهالتهم .
كما أنّ جملة ( يقولون آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ) ( 3 ) المجعولة صفة للراسخين في العلم على تقدير الواو عاطفة ، أو خبر على تقدير كون الواو استئنافية ، فإنّ
هامش
( 1 ) سورة البقرة 2 : 269 .
( 2 ) سورة آل عمران 3 : 8 .
( 3 ) سورة آل عمران 3 : 7 .