ويكرهون أن يُسألوا فلا يجيبوا فيطلب الناس العلم من معدنه ، فلذلك استعملوا الرأي والقياس في دين الله وتركوا الآثار ودانوا الله بالبدع ، وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : كلّ بدعة ضلالة ، فلو أنّهم إذا سُئلوا عن شيء من دين الله فلم يكن عندهم منه أثر عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ردّوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم من آل محمّد ، والذي منعهم منّا العداوة والحسد لنا .
لا والله ما حسد موسى ( عليه السلام ) العالم ، وموسى نبيّ الله يُوحي الله إليه حيث لقيه واستنطقه وعرّفه بالعلم ، ولم يحسده كما حسدتنا هذه الأمّة بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على علمنا وما ورثنا عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ولم يرغبوا إلينا في علمنا كما رغب موسى ( عليه السلام ) إلى العالم وسأله الصحبة ليتعلّم منه ويرشده ، فلمّا أن سأل العالم ذلك علَم العالم أنّ موسى ( عليه السلام ) لا يستطيع صحبته ولا يحتمل علمه ولا يصير معه ، فعند ذلك قال العالم : ( وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ) ( 1 ) ؟ فقال موسى ( عليه السلام ) له وهو خاضع له يستعطفه على نفسه كي يقبله : ( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ) ( 2 ) ، وقد كان العالم يعلم أنّ موسى ( عليه السلام ) لا يصبر على علمه ، فكذلك والله - يا إسحاق بن عمار - حال قضاة هؤلاء وفقهائهم وجماعتهم اليوم ، لا يحتملون والله علمنا ولا يقبلونه ولا يطيقونه ولا يأخذون به ولا يصبرون عليه ، كما لم يصبر موسى ( عليه السلام ) على علم العالم حين صحبه ورأى ما رأى من علمه ، وكان ذلك عند موسى ( عليه السلام ) مكروهاً وكان عند الله رضاً وهو الحقّ ، وكذلك علمنا عند الجهلة مكروه لا يؤخذ وهو عند الله الحق » ( 3 ) .
فإذا التفتّ بنحو الإجمال إلى سنخ تحمّل وتبليغ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) عن الله تعالى
هامش
( 1 ) سورة الكهف 18 : 68 .
( 2 ) سورة الكهف 18 : 69 .
( 3 ) العياشي 2 / 330 ح 46 ، والبرهان 3 / 651 في ذيل سورة الكهف آية 18 .