يترقّى الحال في بعضهم للوصول إلى بعض درجات المعاني أو لمح بعض لمعان أنوار الحقائق ، من دون التحقّق بعينية تلك الحقائق فضلاً عن إكتناهها ، ولا الإحاطة بجميع مدارج المعاني .
من ثمّ تدوم وتظلّ حاجة الرعية والبشرية قائمة ومستمرّة إلى تواصل بيانات النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته ( عليهم السلام ) وهدايتهم وتبليغهم ، ويشير إلى ذلك قوله تعالى : ( مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) ( 1 ) ، وقوله تعالى : ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أوتُوا الْعِلْمَ ) ( 2 ) .
وكذلك يشير قول الإمام الصادق ( عليه السلام ) في رواية إسحاق بن عمار ، قال : « إنّما مثل عليّ ( عليه السلام ) ومثلنا من بعده من هذه الأمّة كمثل موسى ( عليه السلام ) والعالم حين لقيه واستنطقه وسأله الصحبة ، فكان من أمرهما ما اقتصّه الله لنبيه ( صلى الله عليه وآله ) في كتابه ، وذلك أنّ الله قال لموسى : ( إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) ( 3 ) ، ثم قال : ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْء مَوْعِظَةً
وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْء ) ( 4 ) ، وقد كان عند العالم علم لم يكتب لموسى في الألواح ، وكان موسى يظنّ أنّ جميع الأشياء التي يحتاج إليها في تابوته وجميع العلم قد كتب له في الألواح ، كما يظنّ هؤلاء الذين يدّعون أنّهم فقهاء وعلماء وأنّهم قد أثبتوا جميع العلم والفقه في الدين ممّا تحتاج هذه الأمّة إليه وصحّ لهم عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلموه وحفظوه ، وليس كلّ علم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) علموه ولا صار إليهم عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ولا عرفوه ، وذلك أنّ الشيء من الحلال والحرام والأحكام يرد عليهم فيُسألون عنه ، ولا يكون عندهم فيه أثر عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ويستحون أن ينسبهم الناس إلى الجهل
هامش
( 1 ) سورة آل عمران 3 : 7 .
( 2 ) سورة العنكبوت 29 : 49 .
( 3 ) سورة الأعراف 7 : 144 .
( 4 ) سورة الأعراف 7 : 145 .