الظنّ والجهل إلى ساحته المطهّرة بالنور الإلهي ؟
هذا مع أنّ روح القدس يتنزّل عليه ليلة القدر وكلّ ليلة كما سيأتي في الفصل السابع بالقضاء والقدر لكلّ شيء ، فكيف تخفى عليه صغيرة وكبيرة وذرّة إلى مجرّة ; وكيف لا يكون علمه الوحياني لدني يؤيّده ويسدّده ؟ وكيف لا يكون سيره وسيرته وكلّ نطقه هداية ورشاد وحياني ، وقد جعل الله على عهدته تزكية الأمّة جمعاً ؟ وكيف يعزب عنه باب من الحكمة وقد جعل الباري على عهدته تعليم الكتاب كلّه والحكمة للبشرية أجمع ؟
ونظير هذه المقامات قد أسندها الباري إلى عترته المطهّرة فقال تعالى : ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَاب مَكْنُون * لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ( 1 ) ، وقال تعالى : ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أمُّ الْكِتَابِ وَأخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) ( 2 ) ، وقال تعالى : ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء ) ( 3 ) ، وقال تعالى : ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أوتُوا الْعِلْمَ ) ( 4 ) .
وقد روى العامّة ، كابن حنبل في مسنده عن عبد الله بن عمر ، قال : « كنت أكتب كلّ شيء عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أريد حفظه ، فنهتني قريش فقالوا : إنّك تكتب كلّ شيء تسمعه من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ورسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بشر يتكلّم في الغضب ، فأمسكت عن الكتاب ، فذكرت لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال : اكتب ، فوالذي نفسي بيده ما خرج منّي شيء إلاّ الحقّ » ( 5 ) .
هامش
( 1 ) سورة الواقعة 56 : 77 - 80 .
( 2 ) سورة آل عمران 3 : 7 .
( 3 ) سورة النحل 16 : 89 .
( 4 ) سورة العنكبوت 29 : 49 .
( 5 ) أخرجه أحمد وأبو داود ، وفي بعض الروايات : ( بشر يتكلّم في الرضا والغضب ) ، المستدرك على الصحيحين 1 / 106 ، مسند أحمد 2 / 162 ، تقييد العلم 80 / 18 ، وجامع بيان العلم 1 / 71 .