وما اشتهر في كلمات المفسّرين وجملة من المتكلّمين وعلماء الأصول ، وكثير من بحوث المعرفة الدينية ، من تقييد هذه الآية وآية ( مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ) وآية ( التأسّي ) بالشرعيات والأحكام دون العاديات وأمور المعاش ، فقال بعضهم : ( ويحتجّ بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء ، ويُجاب : بأنّ الله تعالى إذ سوّغ لهم الاجتهاد كان الاجتهاد وما يستند إليه كلّه وحياً لا نطق عن الهوى ) ( 1 ) ، فمبنيّ على النظرية التي سبق تخطئتها من التفكيك في شخصيّة النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) بين الفطرة الغريزية والنفسانية والفطرة العقلانية والفطرة الوحيانية . وقد سبق عدم تعقّل خروج درجات النفس النبويّة عن هيمنة الفطرة الوحيانية ، ومن ثمّ وصفه الباري بقوله : ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم ) ( 2 ) ، وقال تعالى : ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) ( 3 ) .
وقال تعالى : ( إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم ) ( 4 ) ، ووصفه تعالى بالرؤوف الرحيم ، مع أنّها من أسمائه الحسنى ، فقال تعالى : ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ ) ( 5 ) .
ووصفه تعالى بأنّه رحمة للعالمين ، فقال تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) ( 6 ) ، وبيّن تعالى استغراق عنايته بنبيّه في كلّ أحواله ومقاماته بقوله تعالى : ( وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ) ( 7 ) .
كما أنّ نظرية التفكيك مبنية على التفكيك في سياق الآيات في سورة النجم ، مع أنّه قد اتّضحت المقابلة في الآيات بين الضلال والغي والهوى من جهة ، والتسديد الوحياني من جهة أخرى .
هامش
( 1 ) الكشّاف للزمخشري 2 / 418 .
( 2 ) سورة القلم 68 : 4 .
( 3 ) سورة الشرح 94 : 1 .
( 4 ) سورة يس 36 : 3 - 4 .
( 5 ) سورة التوبة 9 : 128 .
( 6 ) سورة الأنبياء 21 : 107 .
( 7 ) سورة الطور 52 : 48 .