الأحكام الدينية حتّى ينكت في قلوبهم ، ورأينا من يقول إنّهم كانوا يلتجئون في حكم الشريعة إلى الرأي والظنون ، ويدّعون مع ذلك أنّهم من العلماء ، وهذا هو التقصير الذي لا شبهة فيه ، ويكفي في علامة الغلوّ نفي القائل به عن الأئمّة ( عليهم السلام ) سمات الحدوث وحكمه لهم بالإلهية والقدم . . . ولا يحتاج مع ذلك إلى الحكم عليهم وتحقيق أمرهم بما جعله أبو جعفر ( رحمه الله ) سمة للغلوّ على كلّ حال ( 1 ) .
وعلّق المجلسي على قولَي الصدوق والمفيد بقوله : ولكن أفرط بعض المتكلّمين والمحدّثين في الغلوّ لقصورهم عن معرفة الأئمّة ( عليهم السلام ) وعجزهم عن إدراك غرائب أحوالهم وعجائب شؤونهم ، فقدحوا في كثير من الرواة الثقاة لنقلهم بعض غرائب المعجزات ، حتّى قال بعضهم : من الغلوّ نفي السهو عنهم ، أو القول بأنّهم يعلمون بما كان وما يكون ، وغير ذلك ، مع أنّه قد ورد في أخبار كثيرة « للا تقولوا فينا ربّاً ، وقولوا ما شئتم ولن تبلغوا » ( 2 ) .
وورد : « إنّ أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان » .
وورد : « لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله » ، وغير ذلك ممّا مرّ وسيأتي .
فلابدّ للمؤمن المتديّن أن لا يبادر بردّ ما ورد عنهم من فضائلهم ومعجزاتهم ومعالي أمورهم إلاّ إذا ثبت خلافه بضرورة الدين أو بقواطع البراهين أو بالآيات المحكمة أو بالأخبار المتواترة ، كما في باب التسليم وغيره . ( 3 )
وفي صحيحة زرارة قال : « دخلت على أبي جعفر ( عليه السلام ) فسألني ما عندك من أحاديث الشيعة ؟ قلت : إنّ عندي منها شيئاً كثيراً قد هممت أن أوقد لها ناراً ثمّ أحرقها . قال : ولِمَ ؟
هامش
( 1 ) تصحيح الاعتقاد : 63 - 66 .
( 2 ) سيأتي في الفصول اللاحقة تخريج مصادر هذه القاعدة الاعتقادية المرويّة عنهم وبيان مفادها .
( 3 ) البحار 25 / 347 .