فهذه الآيات الكريمة تبين لنا الموقف من قبول الأعمال أو رفضها من الباري عزّ وجلّ . ونستطيع أن نعبّر أنّه يشترط في قبول الأعمال الحُسن الفاعلي ; لأنّ كلّ عمل له بعدان أو حيثيتان في جهات الحسن والقبح ، فتارةً يُلحظ العمل بما هو موجود في الخارج فيحكم عليه بالحسن أو القبح ، وتارةً يُلحظ العمل من حيث صدوره من الفاعل وبما ينطوي عليه من دوافع لذلك العمل .
كما جاء في الحديث النبويّ : « إنّما الأعمال بالنيات » ، فوزن وقوام الأعمال والعمل هو بالنيات والنية ، والثواب والعقاب على الأعمال يلحظ فيه جانب الحسن الفاعلي ، قال تعالى : ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) ( 1 ) ، فلم يقل عزّ وجلّ : ( أكثركم عملاً ) حتّى يكون المدار على الحسن الفعلي ، بل قال ( أيّكم أحسنُ عَملاً ) ; وإلاّ لو كان الحسن الفعلي هو المدار لعُوقب المجبور والمضطرّ على صدور المحرّم أو ترك الواجب .
ولهذا يُلاحظ أنّ بعض الأعمال قد أعطى الله سبحانه وتعالى الثواب عليها لبعض الناس ولم يعط لآخرين قاموا بأعمال هي في الظاهر أكثر ، كما في تصدّق الخاتم من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى الفقير حال الركوع فنزلت بحقّه الآية المباركة : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاة وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ( 2 ) ، وقوله تعالى : ( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ . . . ) ( 3 ) ، فإنّ القيمة ليست للخاتم التي بسببها نزلت الآية ، بل من جهة قيمة خلوص العمل ، وهكذا قضية تصدّق الزهراء ( عليها السلام ) بأقراص الشعير .
وهكذا الأعمال تقاس بهذا المنظار ، فالزكاة مع الرياء ، أو الجهاد وفتح البلدان
هامش
( 1 ) سورة الملك 67 : 2 .
( 2 ) سورة المائدة 5 : 55 .
( 3 ) سورة الإنسان 76 : 9 .