توحيد الله في العبادة بولايتهم وطاعتهم
قال تعالى : ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) ( 1 ) ، فأطلق على الطاعة للشيطان أنّه عبادة له ، وهذا يقتضي أنّ عبادته تعالى لا تتقوّم حقيقة بمجرّد السجود والركوع وأشكال النسك ، بل لانطوائها واحتوائها وتضمّنها لطاعة الله فحينئذ تكون عبادة له تعالى ، وهذا الاستعمال للعبادة في الطاعة يقتضيه المعنى اللغوي ; لأنّ قوام العبادة بالخضوع .
والخضوع هو الطوعانية والإئتمار والانقياد لإرادته تعالى ، فذلك هو روح وجوهر العبادة ، وأمّا أشكال النسك والطقوس العبادية فهي قشر ولباس وثوب وبدن العبادة ، وأمّا اللباب والروح فهي الطاعة وعبودية الانقياد والخضوع والإنقهار أمام إرادته تعالى والتسليم والضعة والإخبات لمشيئته تعالى ، فإنّما صارت العبادة النسك والطقوس - عبادة بالطاعة .
ونظير ذلك قوله تعالى : ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ) ( 2 ) ، فأطلق تعالى على طاعة الجنّ وتولّيهم وموالاتهم عبادة لهم وقال
هامش
( 1 ) سورة يس 36 : 60 - 61 .
( 2 ) سورة سبأ 34 : 40 - 41 .