آخر ، مع أنّ المتبادر في بدو النظر أنّ المقابل للافتراء هو الصدق والمقابل للفتيا بالإذن هو الفتيا بغير إذن ، فجَعْل المقابلة في الآية بين الافتراء والفتيا بالإذن يقتضي كون التحليل والتحريم وبيان الأحكام الإلهية متوقّفاً على الإذن ممّن له الولاية ، وأنّها أمور مولوية ، وأنّ جهة التشريع من شعب ولايته تعالى .
وثانياً : إنّ الجعل التشريعي قوامه بالمولوية ومولوية المولى ; لأنّ الحكم التكليفي قوامه بالطلب المولوي ، والمولوية هي ولاية الباري تعالى ، كما أنّ قوام الحكم الوضعي هو بالحكم التكليفي ، فيكون قوام الأحكام التشريعية بولاية المولى ، والتقنين ينقسم إلى سنخين من الحكم الوضعي والتكليفي ، أي ينقسم التقنين إلى قانون يقرّر المعاني كالملكية والحقوق والعقود ، وإلى قانون فيه اقتضاء الفعل والإلزام به ، وكلّ من الحكمين أصيل في التشريع إلاّ أنّ مآل الحكم الوضعي في التشريع إلى الحكم التكليفي ، ولذلك أفرط بعض علماء الأصول في نفي تأصيل الحكم الوضعي في التشريع ، وقالوا إنّه منتزع وتابع لحدود الحكم التكليفي .
وعلى أيّ تقدير ، فإنّ الحكم الوضعي الذي هو تقرير لمعاني الأشياء كمؤدّي اعتباري قانوني ، إنّما يشرّع ويقنّن لتنظيم أفعال أفراد المجتمع ، أي فيؤول الحكم الوضعي وغايته الحكم التكليفي الذي يتعلّق بفعل الفرد مباشرةً ، هذا من ناحية .
ومن ناحية أخرى فإنّ قوام الحكم التكليفي هو بمولوية الشارع ، والمولوية قوامها بولاية المولى وحقّ الطاعة له ، وبذلك يكون التشريع وصلاحيته وليدة ولاية المشرّع والمقنّن على المتدين لذلك الشرع والمتّبع لذلك التقنين .
ويعضد ذلك أنّ فقهاء الشريعة وفقهاء القانون الوضعي في استنباطهم وقراءتهم للنصوص الشرعية والقانونية ، إنّما يستنبطون الحكم ولو كان وضعياً فيما إذا كان الشارع يعمل جهة المولوية في إنشائه للحكم ، أي لا يكون بداعي
الإمامة الإلهية ، محاضرات آية الله الأستاذ الشيخ محمد السند — صفحة 108
مساهمون: الشيخ صادق الساعدي
ص١٠٨