وكيف لا يكون كذلك من تستمد الشمس من نوره ، ويعتضد الملك برأيه في مهمات أموره ،
ويفتخر المجد بأنه من بنيه ، وبأعزهم عليه يفديه ، إذ هو منبع الحكم ، وينبوع
السماحة والكرم ، قد شهدت معاني بيانه ، بباهر فضله ودل بديع تبيانه ، على كمال
ظرفه ونبله ، وزهرت كأخلاقه وشيمه ، أنوار ربيع جوده وكرمه ، وعطر جيب الدهر أرج
مجده ، وصقل محيا الدنيا شعاع سعده ، واني لما آنس كليم فكري على البعد نار
ذكائه ، ونودي قلبي من جانب طور مجده وعليائه عرفت أن الذي صار قلبي كله مسمعا
لنداه ، هو واحد الفضل الذي لا رب للكمال سواه ، وحيث كان في شرع الآداب ، وعرف ذوي
الألباب ، ان من توحد بالفضل واستجمع صفات الكمال ، جدير ورب السبع المثاني أن
يمدح بما تقصر عنه السبع الطوال ، عملت في مديحه هذه القصيدة الحائية ( 864 ) ، ونسجتها
له حلة حلية ، وأهديتها إليه ، وأنا على ثقة من قبولها إذا نشرت لديه ، وإن كنت
كمهدي القطرة إلى البحر الخضم ، والذرة إلى الطود الأشم ، فهديتي هذه جهد
المقل ، إلى الجواد المكثر المفضل ، على أني وإن سمتني الفصاحة حيدر خيسها ،
ودعتني البلاغة ليث عريسها ، وكان أبي سليمان عصره ، يأتيه بعرش بلقيس المعاني آصف
فكرة ، فيراه مستقرا لديه ، ارتداد طرفه إليه ، فأراني لو استخرجت الدراري من نهر
المجرة ، ونظمت بكف الثريا أنجم النثرة ، عقودا أحلى بها نحور علياه ، وأوشح
بها حسان مزاياه ، لما زدتها بذلك حسنا ، ولا أفدت معاني جمالها جميل معنى ، بل أكون
كمن يقول : لماء السماء ما أطهرك ، ولنور الرياض ما أزهرك ، ولغض النسيم ما أطيب
نفسك ، وللعقد النظيم ما أنفسك :
ولم يستفد بالمدح من ليس عنده * وهل ينفع التحجيل من هو أشهب ؟
هذا ورجاء الداعي من نفحات كرمك ، أيها المالك رقاب المناقب والمساعي بمعالي هممك ،
إيصال هذه الرائية الغراء ( 865 ) ، الناطقة بأبلغ الثناء ، إلى حضرة صدر الوزارة الأعظم ،
والسيف الذي انتضت منه يد الامارة على أعدائها أقطع مخذم ، منا منك لا عليك ،
وعائدة تكرم لك لا إليك ، وهي وإن كانت حقيرة ، في جنب معاليه الخطيرة ، فأراها على
حقارة صناعتها ، ونزارة بضاعتها ، أن شملتها ألطافك بنسيم العناية ولحظتها
كفايتك بعين وضعتها موضعها ، ووقعت منه موقعها ، وهذه الحائية الغراء ، والغانية
العذراء ، قد حدرت لمدحك نقابها ، فائقة بحسنها أترابها ، فأعرها سمع مسامح وهوب ،
واسبل ( 866 ) على قائلها من كثرة العيوب :
لتلق ملوك الأرض طوعا يد الصلح * * *
* * * حذار حسام صاغه الله للفتح ( 867 )
* * *
هامش
864 راجع ص 20 من هذا الجزء .
865 انظر ص 37 من هذا الجز .
866 في الديوان المطبوع : وأسدل .
867 ذكرت في باب المدائح ص 20 .