تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ديوان السيد حيدر الحلي — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
قد انتظمت بسلك الايجاز ، وانتظم في سلكها الاعجاز ، فبرزت تخطر دلالا ، وتسحب أبراد البلاغة اختيالا ، تجر تلك الأذيال ، على نثر هو السحر الحلال ، قد تنزلت من سماء ذلك الحلال آياته الباهرة ، واستغرقت من الصب حواسه الخمس ، بما اقامه في مقام الذهول ، فجدير أن يتلى عليهم ( 851 ) فإذا هم بالساهرة ، وحيث أن الداعي ، لمالك رقاب المناقب والمساعي ، وإن كان ليس ببعيد الغور ، يرى الامر الصادر من تلك الحضرة للفور ، فبادر إلى الامتثال ، راجيا أن ينظمه القبول في سلك من حظى بالاقبال ، عقد الله عز ذلك الجناب بناصية الدهر ، ولا برحت تأرج بعبير ثرى تلك الأعتاب مفارق الملوك الغر ، ما ضرب الليل رواقه ، وحل بيد الصبح عن الغزالة نطاقه ، وهذا دعاء للبرية شامل . فأجابه بهذه الرسالة : أخذت بكف الشوق والاحترام ، أدام الله بقاك مدى الدهر والأعوام ، ما تفضلت به من نفيس التخميس ، المهزم بسطوته البليغة من أرباب الفصاحة ألف خميس ، ورقيق ( 852 ) التشطير ، الاخذ بشطري الحسن ، ولم يكن له شبيه ولا نظير ، فوجدتهما لعمري قد ارتقيا الطرف الأعلى من البلاغة ، وارتفعا بعد أن انتصبا بمقام من الاحسان انخفضت دونه أكابر الصناعة ولم يبلغ أحد بلاغة ، فما أعذب ألفاظها ، وأدق معانيها ، وأعمر أبياتها ، وأحكم مبانيها ، فلو رآها ( أبو تمام ) لاعترف بانحطاطه من ذيالك المقام ، أو ( الشريف الرضي ) لارتضاها وأقر طائعا بحسن السبك والنظام ، أو ( امرئ القيس ) لما امتري أنها ( 853 ) أبلغ من شعره ، أو ( عمر بن أبي ربيعة ) لما شك أنها ( 854 ) أرق من سلوكه في نظمه ونثره ، أو ( حسان بن ثابت ) لاستحسنها وثبت عنده أنك إمام البلاغة ، أو ( زهير بن أبي سلمى ) لتاه عجبا من رونقها الأزهري وعلم أنك مصدر الحكمة في هذه الصياغة ( 855 ) ، وأما ما رصعتها به من جواهر نثرك الذي انتظمت دراريه ، وعذبت ألفاظه واستحكمت معانيه ، فهو وبهي سمتك ، ورقة طبعك ، كما قيل : السحر الحلال ، والماء العذب ، تجلى به الابصار والبصائر ، وترتاح بسماعه القلوب والضمائر ، فلو رآه ( الصابي ) لصبا إليه ، وتنسم من عبير صباه ، وعلم أنه لو باراه ، لما أتى بمثله ولا جاراه ، أو رئيس الخطباء ( قس بن ساعدة ) لفارق المواسم وسلم أن ذلك خارج عن طوقه ولو ألف بليغ من قومه ساعده ، أو كافي الكفاة ( الصاحب بن عباد ) لاستصحبه وما فارقه واكتفى به وما زاد ، ثم إني ورفيع قدرك ، وسني فصاحتك ، وعلي بلاغتك ، قد صرت غريق بحار الحيرة ، لا أدري بأي كيفية أؤدي شكرك ، وبأي لسان أصفك ، فأكافي فضلك ، بما تنزلت به ( 856 ) من تخميس أبياتي اللواتي من الحسن عاريات ، وتشطيرهن مع أنهن غير عامرات ولا لائقات ، وكلما أبرمت الاعزام ، وشددت حيازيم الاهتمام ، ونقلت الاقدام ، لأداء هذا المرام ، قصر بي ضعف قوى الفكر وعي اللسان ، وضيق الجنان ، وكبا أدهم القلم في هذا الميدان ، لعلو شرفك الذي لا يباري ، ووفور محاسنك التي لا تجاري ، غير أن العدول عن ذلك بالكلية إخلال بالواجبات ، لان شكر المحسن من المفروضات ، وبناء على أن مالا يدرك كله ، لا يترك أقله ( 857 ) ، أقول : وليس سواء عالم وجهول ، لأشكرنك شكرا يليق بجنابك ، ويفي باحسانك ، ما كر الجديدان ، وما تعاقب ( 858 ) الملوان ، والسلام عليكم ، بعد ( 859 ) شوقي إليكم . قال السيد : فأجبته بهذه الرسالة على أثرها ، بكل نظمها ونثرها ، وقلت : لاطفت الصب جميلة برك ، وتلطفت بالمغرم المشوق عقيلة نثرك ، قد زارت محبا رفعها على الأحداق ، واجتنى من ( 860 ) محاسنها ثمرات الأوراق ، ثم حل عنها النطاق ، ببنان فكرة المتأمل ، ونضا عنها أبرادها الرقاق ، إلا لبسة المتفضل ، فوجدها آخذة بأطراف النباهة والفكاهة ، ووجد نفسه عن منادمة مثلها على طرف من العي والفهاهة ، فترك مفاوضتها المدح ، وعدل عن مقارضتها الثناء ولا قدح ، ورأى الالتحاف بشملة التسليم بالقصور والاعتراف ، أليق بكليل الذهن واللسان ، من مقاومة شواهد الاختبار والامتحان ، فبادر بأنامل العذر ، يفض لطايم الشكر ، ويهدي من نسمات الحمد ، ما هو أطيب من نسمات الورد : لي العذر كل لسان القلم * وجف بما هو طرسي رسم ( 861 )
هامش
851 في الديوان المطبوع : عليه . 852 في المخطوط : ودقيق . 853 وفيه أنهما . 854 وفيه أنهما . 855 في الديوان المطبوع : الصناعة . 856 وفيه : تنزلت له . 857 في الديوان المطبوع : جله . 858 وفيه : وتعاقب . 859 وفيه : بعدد . 860 وفيه : في اثم . 861 ذكرت في باب المدائح .
ديوان السيد حيدر الحلي — صفحة 88 | السيد حيدر الحلي / علي الخاقاني