وقال مهنئا الحاج محمد صالح كبه بقدوم حفيديه الحاج عبد الهادي والحاج محمد حسين من
الحج :
وصلت وريعان الشبيبة مونق * وجفت وقد لبس المشيب المفرق
والغيد طوع نسيم ريعان الصبا * يهتز غصن شبابهن المورق
والشيب إن حطت عقاب نهاره * فغراب ليلة وصلهن محلق
أدرت فتاة الحي أني مذ نأت * قلبي أسير هوى ودمعي مطلق
أنا والجوى والدمع وهي ومهجتي * طوع البعاد مغرب ومشرق
عافت أخا دمعي العقيق وثغرها * أمسى يضي به أخوه الأبرق
لله موقفنا صبيحة أجمعت * بينا له جزعا بريقي أشرق ( 267 )
ومسكت قلبي كي يقر وإنه * ليكاد يلفظه الزفير فيحرق ( 268 )
وكظمت أنفاسي الغداة وفوقها * كادت مجامع أضلعي تتفرق
جاذبتها فضل الرداء فأقبلت * بالعنف تجمع ما جذبت وأرفق
ومذ استقل بها الفراق دعوتها * بالدمع إذ هو من لساني أطلق ( 269 )
الله يا ذات النطاق بواجم * لسن المدامع عن جواه تنطيق
وتذكري عهد المودة بيننا * أيام أوقاتي بلهوك تنفق
متألفين بحيث لا ظل الهوى * صاح ولا صفؤ الوداد مرنق
في روضة عذراء لم يبرح بها * يمري ( 270 ) مذانبه الغمام المغدق
يسري النسيم عليلة أنفاسه * فيها بنشر من عبيرك يعبق
وعيون نرجسها المندى غازلت * منك المحيا وهو شمس تشرق
فكأن في أجفانهن الطل من * أنوار وجهك أدمع تترقرق
ولهوت منك بذات خدر زانها * ثوب الشباب الغض لا الإستبرق
طورا تعاطيني الحديث وتارة * راحا بها شمل الهموم يفرق
قالت وقد عاقرتها من كفها * صرفا لها نور يروق ورونق
ألها نظير ، قلت خلق ( محمد ) * في لطفه منها أرق وأورق
خلق لأبلج غير معقود الندى * ديم الغمام غدت به تتخلق
عذبت بفيه نعم فليس بغيرها * يلقى الذي من جوده يسترزق
ويود أن بكل منبت شعرة * منه بقول نعم لسان ينطق
أثرى من الحسب الكريم وكل من * أثرى بلا حسب مقل مملق
فانظر لمن عرب القوافي في الورى * تنشى وأبكار المعاني تخلق
ما فيهم إلا ( محمد صالح ) * بالمدح جيد علائه يتطوق
المستجار من الزمان بظله * إن جاء يرعد بالخطوب ويبرق
والمستضاء بوجهه إن يدج من * دهم الحوادث ليلهن الأورق ( 271 )
ومسدد الآراء أسهم رأيه * غرض القضايا الغامضات تطبق
يقضان قد سبرت تجارب حزمه * غور الزمان بأي فن يطرق
إن أبهمت يوما مطالع شبهة * عمياء فيها الحق لا يتحقق
يغشى نعاس الجهل تحت ظلامها * بصر القلوب المدركات فتخفق
فعمود صبح بيانه بضيائه * غسق العمى لذوي البصائر يفلق
وإذا تحيرت العقول بمشكل * صعب مجال الوهم فيه ضيق
جمع العقول على الصواب بحجة * فيها احتمال الريب لا يتطرق
فمن السكينة والوقار سكوته * وله المقال الفصل ساعة ينطق
وعلاؤه الآفاق ضقن بعظمها * وبعظم معجزه البسيطة أضيق
إما أقام فمنه طرف الناس في * إنسان عين زمانهم تتعلق
وبأي أرض قد سرى ففعاله * عن أهلها عين الحوادث تطبق
فالناس في جدواه شخص واحد * وبمدحه الدنيا جميعا تنطق
ونداه لو سكتوا لنوه باسمه * إن الندى لهو الخطيب المفلق
وإذا ترادفت المحول تشعبت * منه غمائم للبلاد تطبق
وغدا يرف على البرية ظلها * وبريق النعماء فيهم تغدق
حتى تمج الأرض ماء نعيمها * ريا وبالعشب الثرى يتشقق
فتبيت حالية بوشي ربيعها * ولساكنيها العيش غضا يونق ( 272 )
منن تفوت الواصفين وإنما * وصف الأنام ببعضها يستغرق
وإذا انتمى فلدوحة الشرف التي * تنمو على مر الزمان وتورق
وشجت قديما ساريات عروقها * حيث المجرة نهرها يتدفق
فأصولها فوق السما وفروعها * شرفا إلى مالا نهاية تبسق
وطريف علياه يريك تليدها * فمن المكذب والطريف مصدق
لا كالذي بين البرية أصله * خبر على غلك اللسان يلفق
ملك على أولى الزمان قبيله * بذوائب الشرف الرفيع تعلقوا
طلبوا سماء المجد فابتدرت بهم * تسموا قدامي عزهم وتحلق
حتى ارتقوا أفلاكها وغدا لهم * دون البرية غربها والمشرق
وإلى انقطاع الدهر فخر علاهم * أبدا بهالتها الرفيعة محدق
فكفاهم فخرا بأن عشيرهم * فيه وفي ( عبد الكريم ) معرق
فهما معا كفا ندا وصلا بهم * وهم لتاج العز قدما مفرق
فرعا علاهم في حديقة مجدهم * ما أثمراه طيب مستوسق
ضربا بعرق واحد في طينة * هي من سواها في المكارم أسبق
مثلان مهما راهنا في حلبة * فغبار شأوهما بها لا يلحق
وبكف كل منهما ما برزا * في السبق رهن ذوي المعالي يغلق ( 273 )
كالعين تبلغ أختها الشأو الذي * بلغته إن كل إليه تحدق
يا نيري فلك المعالي من غدا * لهما بكل سماء مجد مشرق
قرت بانسانيهما عيناكما * وعلى القذى أغضى الحسود المحنق
فلقد تباشرت النفوس بأوبة ( * الهادي ) وجمع أنسها المتفرق
وسما المكارم أشرقت لما بدا * نور ( الحسين ) بأفقها يتألق
قدما معا والسعد طائر يمنه * غرد يرف عليهما ويرنق
ولئن تشوقت البلاد إليهما * فإلى لقائهما المعالي أشوق
لامس أيدي الراميات إلى منى * نصب ولا منها عقرن الأسوق
فلكعبة البيت الحرام بكعبتي * أمل العفاة سرت خفائف تعنق ( 274 )
وبثقل أجرهما ثقيلات الخطأ * صدرت كأن لها الرواسي أوسق ( 275 )
المحرمين وإن أحلا دائما * زهدا بما تهوى النفوس وتعشق
فكأن كل مقام احتلا به * حرم وحج كل يوم يخلق
والركن يشهد ان كفهما التي * استلمته لا إثم بها متعلق
نحرا غداة النفر هديا قال لم * يقبل سواي لو أن هديا ينطق
وسرين من حرم الاله جوانحا * بهما إلى حرم النبي الأينق
بيت لو البيت استطاع لجاءه * بالركن يسعى سعي من يتملق
فالدهر فيه محرم فمقصر * والفخر فيه طائف فمحلق
عكفا به يتمسكان فناشق * لثم الضريح ولاثم يتنشق
واستقبلا حرم الوصي وإنه * حرم الاله به الملائك تحدق
وحمى يجير من السعير لأنه * نفحات عفو الله منه تعبق
فاستشفعا لله فيه ويمما * ناد بغير العز ليس يروق
رفعت بأعلا ( الكرخ ) منه سرادق * بعلائها العيون لا يتعلق
جمع الصلاح على التقى أطرافه * وغدا لواء الفخر فيه يخفق
فلتلبس ( الزوراء ) حلة زهوها * فالعيش رغد والهنا مستوسق
أوما ترى كأس المسرة تجتلى * لعشيرة الشرف الرفيع وتدهق
عقدوا الندي وللوفاء محبهم * ينشي المديح مهنيا وينمق
والزهر من أبنائهم ما بينها * الندب ( الرضا ) في خلقه تتخلق
قد أحدقت منه بأزهدها كما * تمسي بأزهرها الكواكب تحدق
تسمو لواحظهم إليه مطرقا * وإذا سمت منه اللواحظ تطرق
لو أنصفته الكاشحون بنعله * لتتوجوا وبشسعها لتمنطقوا
عبقت شمائله فما ريا الصبا * ممطورة الأنفاس منها أعبق
وجلت محيا الدهر بهجة وجهه * فارتد وهو من النضارة مشرق
وجه يلوح عليه عنوان النهى * ويروق فيه من الطلاقة رونق
ومن الخلال الصالحات قد احتوى * مجموع ما هو في الورى متفرق
فبعزه صرف الزمان مقيد * وبجوده جود العفاة مطوق
أمرا هنيه في الفخار وراءكم * عمن إذ ابتدر المدى لا يلحق
ودعوا الندى فله ( محمد جعفر ) * يسقي رياض المكرمات فتورق
ضرغام هيجاء إذا ذكر اسمه * في يوم روع للجموع تفرقوا
خلقت أنامل راحتيه أبحرا * يروي بها طورا وطورا يغرق
نشأت لهن غمائم بين الورى * عشر بوادقها تضيء وتحرق ( 276 )
في السلم وابلها النضار وإنما * في الحرب وابلها دم يتدفق
ولها تبسمه بريق في الندى * وبسيفه يوم الكريهة تبرق
لو قيل يوم الروع من ترب الوغى * لأشار من بعد إليه الفيلق
أو قيل أي الناس أسبق للندى * قلنا ( محمد الجواد ) الأسبق
لجج أسرة راحتيه ووجهه * منه سهيل طالع يتألق
فأعجب لانضاء الوفود وأنسها * بسناه إن وردت وليست تفرق
ملا الزمان فواضلا وفضائلا * بهما يكل من الفصيح المنطق
يا من رباعهم غدت مملوة * بالوفد من كل الأماكن تطرق
فتحوا لهم باب السماح بهن في * زمن به باب السماحة مغلق
قد زف فكري من عقائله لكم * عذراء ليس لغيركم تتشوق
أضحت بجيب الدهر جونة عنبر * في نشر ذكركم تضوع وتعبق
جاءت كما اقترح الوفاء وإن يكن * كثر القصيد فغيرها لا يعشق
وترى الوفا نفس الكريم لأهله * فرضا ولو بأدائه هي تزهق
وتمجه نفس اللئيم ولو لها * ما دمت بالعسل المصفى تلعق
هامش
267 لا يوجد هذا الشطر في النسخة المطبوعة .
268 وفي نسخة : فيخفق .
269 وفي نسخة : أنطق .
270 يمري : يستدر . المذانب : مجاري الماء .
271 الأورق : الذي لونه لون الرماد .
272 وفي نسخة : يورق .
273 يغلق : الرهن يملك .
274 العنق : السير السريع .
275 الوسق : حمل البعير .
276 هذا البيت لم يثبت في الديوان المطبوع .