انسداد العلم وما في مرتبته طرقا مخصوصة لم يجز لنا العدول إلى المرتبة الثالثة والأخذ بما يقرّره العقل طريقا إلى الأحكام ، بل يجب علينا تحصيل تلك الطَّرق الَّتي علمنا بنصب الشّارع إيّاها وتعيينها بالعلم ، أو بما علم قيامه مقامه ولو بعد تعذّره ، ومع تعذّر ذلك كلَّه كما هو الغالب في حقّنا يجب الرجوع في التّعيين إلى ما يقتضيه العقل بأقوى تلك الأمارات على ما مرّ البيان - انتهى محل الحاجة - » .
حيث انّ صريح كلامه هذا كما ترى أنّ سبب عدم التنزّل إلى الظنّ بالواقع عند تعذّر العلم مع النّصب إنّما هو وجود المرتبة السّابقة ، ومن مراتب الطريق عليه ، لا إغماض الشارع عن الأحكام الواقعيّة الَّتي لم يساعد عليها الطريق ، وانحصار المكلف به فعلا فيما ساعد عليه ، وعليه فمعنى قوله : ومرجع القطعين عند التحقيق إلى أمر واحد ، أنّ ما تنجّز من الأحكام الواقعيّة على المكلَّف إنّما هو خصوص ما أدّى إليه هذه الطرق ، إذ المفروض عدم التّجاوز عنها والتّعويل على اللَّاحقة ، حسب ما فصّله .
ومن المعلوم عدم تنجّز ما أدى إليه هذه الطَّرق الخاصّة الكافئة من الأحكام لو كان ، لا إغماض الشارع عن غير ما أدّى إليه الطَّريق وعدم إرادته بحيث لو أتى بالتّكليف ، من دون مساعدته عليه وقع لغوا .
وبالجملة المستدل جعل نصب الطَّريق بمجرّده ولو لم تكن معلومة تفصيلا مقتضيا لعدم العدول عنها والتّعويل على المرتبة اللاحقة ، والعمل بما يقرّره العقل طريقا إلى الأحكام ، بل يجب تحصيل تلك الطرق المنصوبة مهما أمكن ولو بالظنّ .
فالتّحقيق في الجواب أنّ الجعل إنّما يوجب ذلك إذا صار المجعول متّصفا بالطَّريقيّة فعلا وما لم يعلم تفصيلا لا يتّصف بها ، إذ لا معنى لها إلَّا تشخيص الأحكام الواقعيّة وتعيينها بها .
ومن المعلوم ضرورة عدم اتّصافه به بدون ذلك ولو علم إجمالا ، لعدم تفاوت الحال مع فرض وجوده كذلك ، وفرض عدمه في رفع الإجمال عن الواقع ، بل هو بعد باق أيضا على ما هو عليه من الاحتمال ، إذ من المعاين بالوجدان أنّ التردّد والاشتباه في أطراف العلم الإجماليّ بالأحكام قبل فرض تحقق الجعل باق على حاله بعده ، مع عدم العلم تفصيلا وأمّا معه فلا اشتباه شرعا حيث تميّزت الأحكام بحكم الشارع عند المكلف ، بحيث يكون ما لم ينهض عليه الطريق مجرى للأصل العملي في المسألة ، لأنّه حسبما فصّل سابقا ، إمّا لم يكن من جملة الأطراف ، أو لعدم بقاء أثر العلم الإجماليّ بالاحتياط فيه بعد تعيين ما يساوي قدر المعلوم الإجماليّ شرعا ، ولا تأتى شيء من الوجهين بدونه ولو مع العلم الإجماليّ ،
درر الفوائد في الحاشية على الفرائد — صفحة 548
مساهمون: الآخوند الخراساني
ص٥٤٨