بل نراه يصرح في نفس الكتاب المذكور بما أشرت إليه حيث يقول : فإننا إذا رأينا
أجساما مادية ، ثم رأيناه الحياة تحدث فيها ، علمنا علم اليقين ، أن هناك موجودا
أوجدها ، فلكل شئ سبب ولا شئ يحدث اتفاقا ( 1 ) .
ولعله لهذا أيضا - أي لرجوع دليل الاختراع إلى الفطرة - يجعله ابن رشد - كما سبق
وذكرت - أقرب الأدلة إلى مدارك الجمهور . وهو الذي يعبر عنه بدليل العوام في قبال
دليل الصديقين .
ولكن لا بد من التنبيه ، على أن ابن رشد ، عندما يعرض هذا الدليل ، يحاول أن يصوغه
بأسلوب قياس منطقي ، ليجعله أقرب إلى أساليب المعرفة اليقينية العقلية منه إلى أسلوب
المعرفة الحسية الساذجة .
وجهة نظر :
وابن رشد ، الذي ينسب إليه كل من دليلي العناية والاختراع ، نراه يستشهد عند عرضه
لهذين الدليلين ، بآيات من القرآن الكريم .
فبالنسبة للدليل الأول ، يدلل عليه بقوله تعالى : ( ألم نجعل الأرض مهادا والجبال
أوتادا ، وخلقناكم أزواجا وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار
معاشا وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا وأنزلنا من المعصرات ماء
ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا ) ( 2 ) .
وقوله تعالى : ( تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا
هامش
( 1 ) نفس المصدر .
( 2 ) النبأ 6 - 16 .