ومقتضيات بقائه واستمراره على هذه الأرض ، بل بقاء واستمرار الحياة بجميع أنواعها .
إذا ألقينا نظرة ، على جميع ما يمكن الاطلاع عليه من هذا الكون ، لظهرت أمام أعيننا
العناية في أعضاء البدن ، وأعضاء الحيوان ، أعني كونها موافقة لحياته ووجوده ( 1 ) .
فالشمس ، مثلا ، لو كانت أعظم جرما مما هي ، أو أقرب مكانا ، لهلكت أنواع النبات
والحيوانات من شدة الحر ، ولو كانت أصغر جرما أو أبعد لهلكت من شدة البرد . ولو لم
يكن لها فلك مائل ، لما كان هنا صيف ولا شتاء ولا ربيع ولا خريف . وهذه الأزمان
ضرورية ، في وجود أنواع النبات والحيوان ، ولولا الحركة اليومية ، لم يكن ليل ولا
نهار ( 2 ) .
وكذا نجد العناية هذه ، بأوضح صورها في سائر الأجرام والكواكب ، حيث تسير وفق نظام
شمسي محدد لا تعدوه . ولو فرض أن جرما من هذه الأجرام ، أو كوكبا من هذه الكواكب ،
قد انحرف عن خط سيره قيد شعرة أو أقل ، أو توقف عن الحركة ولو لحظة ، لانفرط عقد
الكون بأكمله .
عندما يلاحظ أحدنا هذه العناية ، ويلاحظ أن كل شئ مدرك له ، إنما جعل بالشكل
والمقدار اللذين يؤدي معهما غاية معينة ، تتناسب مع مقتضيات استمرار هذا الإنسان ،
ومتطلبات وجوده . ووضعية تترتب عليها منفعة لهذا المخلوق .
هامش
( 1 ) الكشف عن مناهج الأدلة لابن رشد / 150 .
( 2 ) تلخيص ما بعد الطبيعة لابن رشد / 160 .