عندما يلاحظ أحدنا كل ذلك يجزم ان لذلك الشيء صانعا صنعه ولذلك وافق شكله ووضعه
وقدره تلك المنفعة ، وانه لا يمكن أن تكون موافقة اجتماع تلك الأشياء لوجود المنفعة
بالاتفاق ( 1 ) أي بالمصادفة .
ويمكننا ، بناءا على ما عرضناه ، أن نضع دليل العناية هذا ، في صورة قياس منطقي
كالتالي :
ان الكون بما فيه الإنسان ، مجعول بنحو يتناسب وضعية وشكلا ومقدارا مع وجود
الإنسان ومقتضيات بقاء الحياة واستقرارها .
وكل ما كان كذلك لا بد وأن يكون له صانع لاستحالة أن يحصل هذا التناسب والتناسق عن
طريقة المصادفة .
فالكون بما فيه له صانع .
وقد جعل ابن رشد دليل العناية هذا ، من أشرف الأدلة على وجود الله .
وجهة نظر :
والذي يبدو ، ان هذا الدليل ، هو ما يعبر عنه المناطقة بالدليل الإني وهو الاستدلال
بوجود المعلول على وجود العلة ، في قبال الدليل اللمي ، وهو الاستدلال بوجود العلة
على وجود المعلول ، ولعله لهذا يقول ابن رشد فان الشريعة الخاصة بالحكماء ، وهي
الفحص عن جميع الموجودات ، إذ كان الخالق لا يعبد بعبادة أشرف من معرفة مصنوعاته
التي تؤدي إلى معرفة ذاته سبحانه على الحقيقة ( 2 ) .
هامش
( 1 ) الكشف عن مناهج الأدلة لابن رشد 164 .
( 2 ) تفسير ما بعد الطبيعة 1 / 10 .