من مجلس جلسناه يوما . جئنا فإذا أناس عند حجر رسول الله ( ص ) يتراجعون في القرآن ،
فلما رأيناهم اعتزلناهم ، ورسول الله خلف الحجر يسمع كلامهم . فخرج علينا رسول
الله ( ص ) مغضبا يعرف الغضب في وجهه حتى وقف عليهم فقال : أي قوم ، بهذا ضلت الأمم
قبلكم باختلافكم على أنبيائهم ، وضربهم الكتاب بعضه ببعض ، إن القرآن لم ينزل لتضربوا
بعضه ببعض ولكن ليصدق بعضه بعضا ، فما عرفتم منه فاعملوا به ، وما تشابه عليكم
فآمنوا به . . . الخ ( 1 ) .
وروى ابن حجر العسقلاني ، في الإصابة ، قال قدم صبيغ المدينة فجعل يسأل عن متشابه
القرآن ، فأرسل إليه عمر ، فضربه حتى أدمى رأسه . ثم نفاه إلى البصرة ، وأمر بعدم
مخالطته ( 2 ) .
هذان النصان ، وغيرهما ، يؤيدان ما قلناه ، في تحديد الفترة التي نشأ فيها هذا العلم .
ولا يكون الالتزام بذلك ، مناقضا للرأي السابق القائل ، بأن هذا العلم ، قد نشأ في
القرن الثالث الهجري ، بعد ابتداء عصر الترجمات . إذ يكون معنى نشوئه في القرن
الثالث ، هو أن بروزه كعلم ، له قواعده ، وأصوله ، إنما كان في ذلك التاريخ .
والذي يؤيد هذا ، ما ذكره الشهرستاني من أن لفظ الكلام ، أصبح اصطلاحا فنيا في عهد
المأمون ، وكثيرا ما نصادف لفظ كلم ، بمعنى ناظر وجادل . ( 3 ) .
هامش
( 1 ) كتاب الطبقات الكبير لابن سعد 4 / 141 .
( 2 ) الإصابة في تمييز الصحابة 2 / 198 .
( 2 ) الملل والنحل 18 وما بعدها .
3 - علم الكلام والفرق بينه وبين الفلسفة