التمام في الحضر ؟ فقال ( عليه السلام ) : " أوليس قد قال اللّه عزّ وجلّ في الصفا والمروة :
( فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما ) ؟ ألا ترون أنّ الطواف بهما
واجب مفروض لأنّ اللّه عزّ وجلّ ذكره في كتابه وصنعه نبيّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وكذلك
التقصير في السفر شيء صنعه النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وذكر اللّه في كتابه ( إلى أن قال : ) وقد سافر
رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى ذي خُشُب ، وهي مسيرة يوم من المدينة يكون إليها بريدان :
أربعة وعشرون ميلا ، فقصّر وأفطر فصارت سنة ، وقد سمّى رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قوماً
صاموا حين أفطر : العُصاة . " قال : " فهم العصاة إلى يوم القيامة ، وإنّا لنعرف أبناءهم
أبناء أبنائهم إلى يومنا هذا . " ( 1 )
ولا يخفى أنّ قولهما : " ولم يقل : افعلوا " دليل على أنّ الأمر في ارتكازهما
للوجوب .
والظاهر أنّ الإمام ( عليه السلام ) لم يرد إثبات وجوب القصر والسعي بنفس الآيتين ، وإنّما
أراد نفي منافاتهما للوجوب وبيان دلالتهما على أصل التشريع والجواز بالمعنى الأعمّ
الشامل للوجوب وغيره ، والوجوب يستفاد من عمل النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ومداومته ومن
أقوالهم المأثورة عنهم ( عليهم السلام ) ( 2 )
هامش
1 - الوسائل 5 / 538 ( = ط . أخرى 8 / 517 ) ، الباب 22 من أبواب صلاة المسافر ،
الحديث 2 ؛ عن الفقيه 1 / 434 . والآية الثانية من سورة البقرة ( 2 ) ، رقمها 158 .
2 - أقول : الظاهر أن سوق الآيتين الشريفتين لدفع توهم الحظر ورفع الاستبعاد لا
لتشريع حكم القصر والسعي ، وإنّما ثبت حكم القصر بعمل النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وحكم السعي
بالسيرة المستمرة بين الأعراب وإمضاء الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لها . بيان ذلك : أنّ الأصل في الصلاة
والمعهود منها بين المسلمين كان هو التمام ، فكان حكم القصر مورداً لتوهم
الحظر والاستبعاد ، فنزلت الآية لدفع ذلك ببيان ما يقتضي التخفيف والسعة من
الخوف الضرب في الأرض الملازم للمشقة غالباً . والسعي بين الصفا والمروة كان معمولا
متداولا بين من يحج البيت من أهل الجاهلية ، وكان عليهما صنمان من أصنامهم يقال لهما
أساف ونائلة ؛ فتوهم بعض المسلمين أنّ السعي بينهما لم يكن مما شرعه اللّه ، وليس
للموضعين حرمة عنده تعالى ، وإنّما ابتدعه المشركون لتكريم الصنمين ، فنزلت آية السعي
لرفع هذا التوهم ح ع - م .