تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بداية الوصول في شرح كفاية الأصول — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
شرح
فإذا عرفت هذا . . . نقول : ان الحكم الشرعي إذا تعلق بما يدرك العقل مصلحته الداعية لحسنه أو مفسدته الداعية لقبحه كان الحكم الشرعي حكما عقليا أيضا ، وإذا تعلق بما لا يدرك العقل مصلحته أو مفسدته ، أو تعلق الحكم الشرعي بوجوب ما لو خلي وطبعه لكان ممنوعا عنه عند العقل ، أو تعلق بحرمة ما لو خلي وطبعه لكان حسنا ومأموراً به عند العقل ولم يطلع العقل على العنوان الغالب على مصلحة الفعل ولا على العنوان الغالب على مفسدته - لا يكون ذلك الحكم الوجوبي أو التحريمي حكماً عقليا بل حكما شرعيّا محضا ، وان كان لو اطلع العقل على ذلك الامر الغالب لحكم بوجوب ما أوجبه الشارع وبحرمة ما حرّمه الشارع ، إلاّ انه حيث لم يطلّع فلا حكم له فيه كما له حكمه في الموارد المنكشفة له . ومما ذكرنا يتضح : انه لا يجب ان يكون الحكم الشرعي ملازما لما حكم به العقل ويدركه ، فإنه ربما أدرك مصلحة في شيء ولم يطلع على مفسدة فيه أهم من مصلحته ، أو أدرك مفسدة في شيء ولم يطلع على مصلحة فيه أهم من مفسدته . ومنه يتضح ان الأحكام الشرعية التي لم يصل العقل إلى مصالحها ومفاسدها هي الاحكام المولوية ، ولكنها هي بحيث لو اطلع عليها العقل لرآها لازمة أيضا . وقد اتضح - مما ذكرنا كلّه - المراد من قولهم الواجبات الشرعية الطاف في الواجبات العقلية ، وان المراد منها انها تابعة لمصالح ومفاسد لو اطلع عليها العقل لرآها لازمة ، وليس المراد ان الواجبات الشرعية داخلة في قاعدة الحسن القبح العقلي . وقد عرفت أيضا ان الأحكام الشرعية مقربات إلى المصالح والمفاسد المترتبة على المأمور به والمنهي عنه ، والى ذلك تشير جملة مما ورد في علل الاحكام كقوله تعالى : [ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ] ( 1 ) وقوله عليه السّلام : الصوم جنة من النار ، والزكاة نمو في المال ، والصدقة تطيل العمر ، وعقوق الوالدين منقصة فيه . . . وأمثال ذلك .
هامش
( 1 ) العنكبوت : الآية 45 .