ثم لا يبعد أن يكون الاختلاف في الخبر والانشاء أيضاً كذلك ، فيكون الخبر موضوعاً ليستعمل في حكاية ثبوت معناه في موطنه ، والانشاء ليستعمل في قصد تحققه وثبوته ، وان اتفقا فيما استعملا فيه فتأمل ( 1 ) .
شرح
فان قلت : ان الطبيعي لمعنى ( من ) - مثلاً - هو الابتداء ، ونسبة الابتداء إلى ( من ) نسبة الطبيعي إلى الفرد .
قلت : الابتداء ليس هو الطبيعي ل ( من ) ، لان ( من ) موضوعة لتدل على النسبة القائمة بين المبتدأ به ، والمبتدأ من عنده ، والمتحمل لمبدأ ما به الابتداء هو السير ، وهو من مقولة الحركة ، والمتحمل لمبدأ ما منه الابتداء ، هو البصرة ، و ( من ) مدلولها النسبة القائمة بين ما به الابتداء ، وما منه الابتداء .
( 1 ) توضيح المطلب : ان الجمل على ثلاثة أنواع :
- منها ما يختص بالاخبار ، ولا يستعمل في الانشاء أبداً ، كضرب زيد ، وزيد قائم .
- ومنها ما يختص بالانشاء ، ولا يستعمل في الاخبار أبداً ، كصيغتي الأمر والنهي .
- ومنها ما يستعمل تارة في الاخبار ، وأخرى في الانشاء ، كبعت ، وملكت فإنها تستعمل في الاخبار عن وقوع البيع والتمليك ، وأخرى في انشاء البيع والتمليك ، ومثل أيّدك الله ، فإنها تستعمل للاخبار عن تأييد الله ، وتستعمل للانشاء بقصد الدعاء . وهذه الثالثة هي محل الكلام .
ثم لا يخفى ان الاحتمالات في المقام ثلاثة :
الأول : دخول قصد الحكائية والانشائية في الموضوع له .
الثاني : خروجهما عن الموضوع له أصلاً .
الثالث : دخولهما بنحو الإشارة إلى ما وضع له : بان يكون قصد الحكاية في الاخبارية مشيراً إلى وضع بعت للمعنى في مقام الاخبار ، وقصد الانشائية مشيراً إلى وضع بعت للمعنى في مقام قصد ايجاده وثبوته باللفظ .