فإذا عرفت ما تلونا عليك ، فاعلم أن الأقوال في المسألة وإن كثرت ، إلا أنها حدثت بين المتأخرين ، بعد ما كانت ذات قولين بين المتقدمين ( 1 ) ،
شرح
( 1 ) لما فرغ من الكلام على الأصل اللفظي تعرض لبيان الأصل العملي .
وحاصله : انه مع الشك في أن المشتق موضوع لخصوص المتلبس ، أو للأعم منه وما انقضى عنه المبدأ فورد - مثلاً - أكرم كل عالم .
فنقول : ان كان ورود الحكم بعد انقضاء المبدأ : بان كان زيد في حال ورود الحكم ليس بعالم ، ولكنه كان عالما في الزمان المنقضي ، فيشك فعلاً في وجوب اكرامه ، فحيث انه لا دليل لفظي يعين ان زيداً يصدق عليه العالم أو اللا عالم ، يكون وجوب اكرامه مشكوكاً ، ومتى شك في أصل التكليف فالمرجع البراءة عن وجوب اكرامه .
لا يقال : انه لا داعي إلى البراءة فان استصحاب عدم وجوب اكرامه يغني عن البراءة ، لأن الاستصحاب إذا جرى يغنى عن البراءة .
فإنه يقال أولاً : ان معنى هذا اسقاط أصل البراءة وحصرها في موارد عدم جريان الاستصحاب وهي نادرة ، فان أغلب موارد البراءة تجري فيها اصالة العدم .
ثانياً : ان هذا الأصل ليس الا الأصل العدمي الأزلي وهو لا ينبغي تقدمه على البراءة لأن هذا الاستصحاب معناه البناء على عدم التكليف والحكم أصلاً في مرحلة الظاهر ، والبراءة تدل على كون التكليف الظاهري والحكم المجعول في الظاهر هو ارخاء العنان والحلية ، فالاستصحاب بالنسبة إليها كنسبه اللا اقتضاء والاقتضاء . هذا إذا ورد أكرم كل عالم في حال انقضاء العالمية .
واما إذا ورد الايجاب في حال كون زيد متلبساً بالعالمية ثم بعد زالت عنه فالاستصحاب يقتضي وجوب اكرامه ، لأنه كان واجب الاكرام والآن نشك في وجوب اكرامه فيستصحب وجوب اكرامه ، لكنه انما يجري فيما إذا كان الشك في ناحية الشبهة الموضوعية لا في المقام فان الشك فيه من ناحية الشبهة الحكمية ولا يجري