تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
شرح
ومصلحة ، ثم ننظر أن المصلحة ترجع إلى الله تعالى ، أو إلى خلقه وحيث علمنا أنه تعالى غني بالذات وكامل من جميع الجهات ، فالمصلحة والحكمة ترجع إلى الخلق لا محالة ، ولا تكون الخلقة بمصلحتهم إلا إذا كانت نشأة أخرى عقيب هذه الدنيا ، وإلا لزم عدم كون الخلقة بمصلحتهم ، وهو نقض للغرض ، والنقض من أقبح الأمور ، ووجهه أن المنافع والمصالح الدنيوية منقطعة لا دوام ولا ثبات لها ، ووجودها لقلة دوامها كعدمها ، ولا يكون إعطاء هذه المنافع والمصالح لايقا بشأن الحكيم على الاطلاق . هذا مضافا إلى اختلاطها وشوبها بأضعاف مضاعفة من الصعوبات والمشاكل ، والمصائب والمحن ، والأمراض والفتن ، والمنافرات ، وحصول هذه المنافع والمصالح لا تكون غرضا من الخلقة ، وإلا لزم نقضا للغرض ، لأنه خلاف الإحسان ، هذا نظير كريم يدعو جمعا كثيرا للضيافة ، وغرضه من الدعوة هو الإحسان إليهم لا غير ، فيدخلهم في مجلس الضيافة ، وحضر لهم أنواع الأطعمة والأشربة ، مع إدخال أنواع المؤذيات من السباع والذئاب والكلاب والحيات والعقارب ونحوها مما تمنعهم ، قبل الالتذاذ الكامل بالأطعمة والأشربة ، ولا يعد ذلك عند العقلاء إلا من أقبح القبائح التي لا تصدر ممن لا يبالي ، فضلا عمن يبالي ، فضلا عن الحكيم على الإطلاق ، هذا بخلاف ما إذا أمر المولى الكريم عباده بالمشقات الجزئية في زمان قليل لينال في النشأة الأخرى النعمة الدائمة ، والمناصب الجليلة ، والعطايا العظيمة ، فإن الخلقة حينئذ تصير مستحسنة وقابلة للمدح والثناء ، وهذا برهان قاطع أرشد إليه الحق سبحانه وتعالى في كلامه المجيد بقوله : " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون " ( 1 ) .
هامش
( 1 ) كتاب كنز الفوائد في أصول العقائد : ص 358 .