عنوان التّرجيح بمخالفة العامّة أمّا الثّالث فظاهر لأنّه مضافا إلى منافاته لمقام التّرجيح بل اعتبار المتعارضين من حيث الطَّريقيّة كما هو ظاهر لا يدلّ عليه شيء من الأخبار فإنّ الغرض من أمثال ما حكاه في الكتاب الحثّ على متابعة طريقة الأئمّة الهداة صلوات اللَّه عليهم قولا وعملا والإعراض عمّا عليه المذبذبون من الميل إلى طريقة المخالفين ويشهد له مساقها عند التّأمّل فإنّه لا تعلَّق لها بالمتعارضين أصلا فالغرض منها الحثّ على ترك التّسنن وطريقة العامّة ليس إلَّا وأمّا الأوّل فلأنّه يتوجّه عليه مضافا إلى بعده عن مقام التّرجيح ومساق أخبار العلاج وإن دلّ عليه أكثر ما دلّ على التّرجيح بمخالفة العامّة في ابتداء النّظر كما في الكتاب بل ذكر فيه أنّه ممّا استظهره المحقّق من الشّيخ قدّس أسرارهما مع أنّ كلامه صريح في استظهار الوجه الرّابع منه على ما عرفت منّا ومن الكتاب حيث إنّ مفاد الرّواية المرويّة عن الصّادق عليه السلام هو الوجه الرّابع كون دليله محكوما بما دلّ على كون عنوان التّرجيح بمخالفة القوم الطَّريقيّة حيث إنّ سكوت كثير من الأخبار عن عنوان التّرجيح لا ينافي ما بيّن فيه عنوانه فلا تعارض بينهما حقيقة فيبقى الوجهان الآخران المبنيان على الطَّريقيّة ويضعّف الوجه الرّابع أيضا من حيث استفادته من الأخبار لعدم دليل عليه منها إلَّا رواية عبيدة بن زرارة المضعفة وإن قيل بعدم قدح ضعفها من حيث انجبارها بالعمل والظَّاهر منها بعد التّأمّل ما احتمله شيخنا بقوله لاحتمال أن يكون المراد من شباهة أحد الخبرين إلى آخره فلا تعلَّق لها بمسألة التّعارض إذ على هذا المعنى الظَّاهر منها يحكم بالتقيّة في الخبر الجاري على أصولهم الباطلة وعدم حجّيّته فلا معنى لما قيل من أنّه لا بدّ من حمل الخبر على صورة التّعارض لكون إطلاقها على خلاف الإجماع ولا لما قيل فيما يتوجّه على الاستدلال بها من اختصاصها بالأخبار المسموعة من أنّ مقتضى دليل حجّيّة الخبر الظَّني تنزيله منزلة المسموع مضافا إلى عدم القول بالفصل حتّى يتوجّه عليه بقصور دليل التّنزيل عن ذلك من حيث إنّ الأثر المزبور مترتّب على المعلوم بعنوان السّماع وإن كان محلَّا للتّأمّل نعم لا ريب
في إثباته من حيث الكلَّية المستفادة من أخبار العلاج على ما أسمعناك غير مرّة وليس بين التّنصيص والاستفادة من العموم ثمرة عمليّة حتّى يتعب النّظر في إثبات التّنصيص ومن هنا قال شيخنا في الكتاب بعد تضعيف الوجه المذكور ويمكن توجيه الوجه الرّابع بعدم انحصار دليله في الرّواية المذكورة إلى آخره فيتعيّن إذا الوجه الثّاني من الوجوه المذكورة في الكتاب بالنّظر إلى التّنصيص وإن استشكل فيه أيضا في الكتاب بأنّ التّعليل المذكور في الأخبار بظاهره غير مستقيم إلى آخر ما أفاده بقوله فيرجع الأمر بالأخرة إلى التّعبد بعلَّة الحكم وهو أبعد من التّعبّد بنفس الحكم ولكنّك خبير بما يتوجّه على الإشكال المذكور واندفاعه بعد تسليم غلبة البطلان في أحكامهم كما يشهد به الوجدان والأخبار الكثيرة وإن رماه في الكتاب بكونه خلاف الوجدان في تقريب الإشكال مع رجوعه بعد ذلك لما أفاده في دفعه بقوله ويمكن دفع الإشكال في الوجه الثّاني وفاقا للسيّد الكاظمي في شرح الوافية بل لأنّ غلبة البطلان توجب صيرورة المخالف أقرب إلى الحقّ وأبعد عن الباطل كما اعترف قدس سره به بقوله نعم ينفع في الأبعديّة عن الباطل وهذا المقدار يكفي في التّرجيح كما عرفت استفادته عن تعليل ترجيح المشهور على الشّاذ فينطبق التّعليل المذكور على ذلك التّعليل هذا وقد دفع بعض أفاضل معاصرينا الإشكال بعد تسليم الغلبة بأنّ الخبر المخالف في الفرض وإن لم يظنّ مطابقته للواقع بعد منع الغلبة المدّعاة في كلام شيخنا العلَّامة وفاقا للسيّد المحقّق الكاظمي قدس أسرارهما في دفع الإشكال إلَّا أنّ الخبر الموافق لهم يصير موهونا من جهة الظَّن بكونه على خلاف الواقع فيسقط عن الحجّيّة هذا حاصل كلامه بعد طوله لكنّه كما ترى إذ مقتضاه طرح الخبر الموافق لهم وإن كان سليما عن المعارض وهو كما ترى خلاف الإجماع هذا مضافا إلى أنّ المستفاد من أخبار الباب وجوب الأخذ بالمخالف من حيث كونه راجحا لا من حيث كون الموافق مرجوحا نعم هنا كلام لا في جواز جعل المخالفة من المرجّحات وإن لم يحمل التّعليل الوارد في الأخبار على الغلبة بأن يكون المراد من كون الرّشد في خلافهم كون خلافهم
في معرض الحقّ من حيث كثرة البطلان في أحكامهم وإن لم تبلغ مبلغ الأكثريّة فضلا عن الغلبة فلا يحمل التّعليل على التّعبد حتّى يكون أسوأ من التعبّد في أصل الحكم بالتّقديم والتّرجيح لأنّ فيه نوعا من الطَّريقيّة أيضا فينطبق على التّعليل المستفاد من الأخبار في تقديم المشهور على الشّاذّ وهذا الكلام كما ترى يفيد في دفع الإشكال أيضا بالتّقريب الَّذي عرفته على تقدير حمل القضيّة على الغلبة فقد تحصل ممّا ذكرنا كلَّه أنّ مخالفة القوم يجتمع فيها عنوانان من المرجّح أحدهما مرجّح الجهة وإن لم يقع التّصريح به في الأخبار بناء على منع دلالة خبر عبيدة بن زرارة عليه على ما عرفت ثانيهما مرجّح المضمون كما نصّ عليه في الأخبار فيجوز التّرجيح بها في الأخبار النّبويّة القطعيّة نظرا إلى الجهة الثّانية وإن لم يجز بالنّظر إلى الجهة الأولى كما أنّ التّرجيح بها مقدّم على المرجّحات الصّدوريّة نظرا إلى الجهة الثّانية وإن لم يتقدّم عليها بالنّظر إلى الأولى على ما عرفت من تقديم المرجّح المضموني على الصّدوري وتأخير الجهتي عنه
قوله : قدس سره ومن هنا يظهر أنّ ما
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 62
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٦٢