والتّفصيل ممّا لا يعتريه ريب وإن كان تخصيص المردّد في كلامه بالصّدور وجهته محلّ نظر لأنّ التّحقيق تردّد الأمر بين ثلاثة جهات الصّدور وجهته والدّلالة كالاستدلال للمدّعى بترجيح الأوثق في أخبار الباب لمنع كون المراد من الأوثق مجرّد الأقرب إلى الواقع على ما عرفت في مطاوي كلماتنا السّابقة وهذا نظير الاستدلال للمدّعى في الجواب عن السّؤال فيما سيذكره بعموم قوله دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإنّك قد عرفت فيما قدّمناه لك عدم تعلَّق الرّواية بباب التّرجيح أصلا مضافا إلى عدم دلالتها وإن كان مستقيما على تقدير عمومها للمقام نعم الاستدلال على المدّعى بعموم كلمات العلماء ومعاقد الإجماعات لمطلق الأمارة المطابقة لمضمون أحد الخبرين وإن لم ترجع إلى المرجّح الخارجي ممّا لا شبهة في استقامته كالاستدلال بالأصل بالتّقريب المتقدّم في كلام شيخنا العلَّامة قدس سره في مسألة وجوب التّرجيح فلعلّ عدم ذكره في عداد الوجوه في المقام من جهة ابتناء كلامه قدس سره على ذكر الأدلَّة لا مطلق الوجه نعم قد مرّ منّا فيما تقدّم التّأمّل في الأصل المذكور في مطلق التّرجيح
قوله : قدس سره ومال إلى ذلك بعض سادة مشايخنا المعاصرين إلخ
أقول : مراده قدس سره السيّد طيّب اللَّه رمسه الشّريف في المفاتيح حيث قال بعد نقل كلام المعارج ما هذا لفظه والتّحقيق أن يقال إن كان القياس الموافق لأحد الخبرين من القياس بالطَّريق الأولى أو المنصوص العلَّة فلا إشكال في صحّة التّرجيح به لأنّ هذين القياسين من الأدلَّة الشّرعيّة المعتبرة وقد بيّنا أنّ أحد الخبرين المتعارضين إذا اعتضد بدليل شرعيّ كان اللَّازم ترجيحه وإن كان من القياس المستنبط العلَّة الَّذي ليس بحجّة شرعا فلا يخلو إمّا أن لا يقتضي الظَّن بصدق مضمون الخبر الَّذي يوافقه أو يقتضيه فإن كان الأوّل فلا إشكال في عدم صحّة التّرجيح به للأصل السّليم عن المعارض وما سيأتي إليه الإشارة وإن كان الثّاني ففي صحّة التّرجيح به إشكال من الأصل وعموم كثير من الأخبار الواردة في المنع من العمل بالقياس فإنّ التّرجيح به عمل به وعموم الأخبار الدّالة على التّخيير بين الخبرين المتعارضين إمّا مطلقا أو بعد فقد مرجّحات ليس منها محلّ البحث وأنّ القياس لو كان مرجّحا لاشتهر بل تواتر لتوفّر الدّواعي وأنّه لو كان مرجّحا للزم معرفة مسائل القياس وتنقيحها وضبطها كما لا يخفى وذلك قد يكون منافيا لحكمة حرمة القياس كما لا يخفى ومن أصالة حجّيّة الظَّن خصوصا في مقام التّرجيح وفحوى ما دلّ على اعتبار كثير من المرجّحات المنصوصة وغلبة حجّيّة مرجّحات ظنّية غير منصوصة فيلحق بها محلّ الشّك وهو محلّ البحث ولا يعارض ما ذكر عموم الأخبار المانعة عن العمل بالقياس لإمكان دعوى انصرافه إلى المنع من التّمسّك به على حكم شرعي ولو سلَّم شمول بعضها لمحلّ البحث فيتوقّف على اعتبار سنده ولو سلَّم فغايته إفادة الظَّن بأنّ هذا الظَّن لا يكون حجّة في هذا المقام وفي صلاحيّة هذا لمعارضة أصالة حجّيّة الظَّن إشكال فتأمّل وكذلك لا يصلح لمعارضة ذلك عموم الأخبار الدّالة على التّخيير للمنع عن ظهورها في المنع عن التّرجيح بالمفروض سلَّمنا ولكن لم يعلم اعتبار سندها ولو سلَّم اعتبار سند بعضها ففي صلاحيّته لمعارضة أصالة حجّيّة الظَّن إشكال ومع ذلك فبعضها معارض مع بعض فيبقى الرّجوع هنا إلى المرجّح الظَّني ولا يمكن
التّمسّك بها كما لا يخفى فتأمّل وأمّا دعوى ظهور اتّفاق الأصحاب على المنع من التّرجيح به فمحلّ إشكال إذ ليس بناء معظمهم على ضبط جميع المرجّحات والإشارة إليها ولو سلَّم ذلك فغايته الظَّن وفي صلاحيّته لمعارضة الأصل المذكور إشكال وكيف كان فالأحوط الأخذ بالخبر الموافق له حيث يدور الأمر بينه وبين التّخيير وبينه وبين معارضه وأمّا إذا وجد للمعارض مرجّح معتبر فإن كان القياس أضعف منه فلا إشكال وكذا إذا كان مساويا فتأمّل وأمّا إذا كان القياس أقوى ففيه إشكال عظيم فتأمّل انتهى كلامه رفع مقامه وفيه أنظار غير مخفيّة سيّما في تكرّر ذكر أصالة حجّيّة الظَّن فإنّه إن كان المراد من الأصل المذكور أصالة حجّيّة الظَّن في أحكام اللَّه تعالى الَّتي بين الأمر عليها جمع من المتأخّرين فيتوجّه عليه ما أسمعناك في بيان محلّ التّعارض أنّ القول بحجّيّة مطلق الظَّن ينافي باب التّعارض في الجملة مضافا إلى رجوع الإشكال على تقديره إلى إشكال خروج القياس عن الدّليل العقلي القاضي بحجّيّة الظَّن مطلقا هذا مضافا إلى أنّ الإشكال مع تسليم اعتبار سند الأخبار المانعة بقول مطلق لا معنى له أصلا لأنّه من تعارض الظَّن الخاصّ والمطلق إلى غير ذلك ممّا يتوجّه عليه على هذا التّقدير وإن كان المراد أصالة اعتبار الظَّن في خصوص باب التّرجيح في قبال التّخيير على ما بنى عليه شيخنا العلَّامة قدس سره فيما تقدّم من كلامه ففيه أنّ الأصل المذكور ربما نقول به عند الشّك فكيف يصلح لمعارضة ما دلّ على حرمة إعمال القياس في الدّين مطلقا كما قضى به صريح كلامه
قوله : مع أنّه يمكن دعوى حكم العقل إلخ
أقول : دعوى حكم العقل بوجوب العمل بالأقرب إلى الواقع إنّما يستقيم على القول بحجّيّة الأمارات من باب الظَّن المطلق والقول به لا يجامع التّعارض على ما أسمعناك عن قريب وأمّا على القول باعتبارها من باب الظَّن الخاصّ فمقتضاه على ما عرفت في صدر المسألة هو التّوقّف والرّجوع إلى الأصل المطابق لأحدهما إن كان وإلَّا فالتّخيير العقلي ومن هنا أمر قدس سره بالتّأمّل فيما أفاده نعم مقتضى الأصل بعد البناء على التّخيير في المتعارضين وإهمال ما دلّ عليه من أخباره وجوب التّرجيح بكلّ
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 64
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٦٤