الظَّهور النّوعي العرفي كما هو شأن مطلق أصالة الحقيقة والعموم بالنّسبة إلى القرينة والخاصّ فإن شئت قلت إن العامّ إمّا أن يلاحظ بحسب وضعه مع الخاصّ الأعمّ وإمّا أن يلاحظ بحسب ظاهره وما أريد منه بعد التّخصيص بالخاصّ الأخصّ فعلى الأوّل لا إشكال في عدم مكافأته مع الخاصّ وعلى الثّاني لا ظهور له بعد التّخصيص إلَّا بضميمة أصالة عدم تخصيص آخر ومن المعلوم أنّها لا يقاوم دليل التّخصيص ثمّ إنّ ما ذكرنا مع كمال وضوحه قد أشبعنا الكلام فيه في بحث العام والخاصّ بل أثبتنا فيه كون التّخصيص بالمتّصل حقيقة ثمّ إنّ ما ذكرنا فيما يتحقّق كون التّخصيص به من التّخصيص بالمتّصل ممّا لا إشكال فيه وقد يستشكل في بعض الموارد من جهة الإشكال في تميز المخصّص من حيث الاتّصال والانفصال فتحقيقه موكول بنظر الفقيه كما في التّخصيص بالاستثناء سيّما بالأفعال وإن كان الظَّاهر كون التّخصيص به من المتّصل مطلقا سواء كان بالحروف أو الأسماء أو الأفعال فإنّ الاتّصال والانفصال إنّما يلاحظان بحسب المعنى لا بحسب اللَّفظ كما في أكرم العلماء ولا تكرم زيدا إذا ذكر عقيبه بلا فصل فإنّه من المنفصل وهذا بخلاف الاستثناء فإنّه إذا لوحظ بعنوان الاستثناء يكون مربوطا بالمستثنى منه لا محالة فلا يستقلّ بالتّصوّر ومن هنا ذكر شيخنا الأستاذ العلَّامة قدس سره في الكتاب أنّه يصحّ أن يقال النّسبة بين قوله ليس في العارية ضمان إلَّا الدّينار والدّرهم وما دلّ على ضمان الذّهب والفضّة عموم من وجه كما قوّاه غير واحد من متأخّري المتأخّرين فيرجّح الأوّل لأنّ دلالته بالعموم ودلالة الثّاني بالإطلاق أو يرجع إلى عمومات نفي الضّمان توضيح : ما أفاده قدس سره هو أنّ التّعارض بين ما دلّ على نفي الضّمان في العارية بعد ملاحظة إخراج الدّرهم والدّينار عنه وما أثبته في مطلق الجنسين أي الذّهب والفضّة مع نفيه عن غيره إنّما يلاحظ بين العقد السّلبي من الأوّل والإيجابي من الثّاني ومن المعلوم كون نسبة عارية غير الدّرهم والدّينار مع عارية الذّهب والفضّة هي العموم من وجه من حيث افتراق الأوّل في غير الجنسين والثّاني في الدّرهم والدّينار وتعارضهما في غير المسكوك من الجنسين فربما قيل بكون الأوّل أقوى دلالة من حيث إنّ دلالته بالعموم المستفاد من النّفي فلا يقاومه ظهور الثّاني وإن كان بالعموم أيضا من جهة الحكمة أو القول بظهور المفرد المحلَّى في العموم وضعا فضلا عمّا إذا كان بالإطلاق هذا مضافا إلى اعتضاده بما دلّ على نفي الضّمان في العارية مطلقا بل في مطلق اليد المأذونة فتأمل ( 1 ) ؛ ويكون الثّاني أقوى دلالة من حيث قلَّة أفراده فيكون بمنزلة الخاص المطلق هذا مضافا إلى أنّ التّخصيص بالنّقدين يوجب التّخصيص أو التّقييد بالفرد النّادر هذا مضافا إلى وهن الأوّل بإخراج الدّرهم عن أحد الحديثين والدّينار عن الآخر حيث إنّ استثنائهما وقع في حديثين فإنّه يوجب الوهن في العموم المستفاد من الحصر جدّا وإن لم يوجبه بالنّسبة إلى تخصيص سائر العمومات هذا مضافا إلى اقتضاء اليد الضّمان مطلقا وإن كان منفيّا بالنّظر إلى الأصل الأوّلي هذا بعض ما وقع في كلماتهم وإن شئت شرح القول في ذلك فاستمع لما يتلى عليك فنقول : لا إشكال في أنّ مقتضى أصالة البراءة عدم الضّمان مطلقا كما أنّه لا إشكال في أنّ مقتضى قوله على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي بناء على شموله لليد المأذونة الضّمان مطلقا غاية ما هناك منافاة الضّمان للوديعة ومقتضى جملة من الصّحاح كصحيحة الحلبي عن الصّادق عليه السلام ليس على مستعير عارية ضمان وصاحب العارية والوديعة مؤتمن وصحيحة محمّد بن مسلم هي الَّتي قريبة من صحيحة الحلبي عدم الضّمان في العارية مطلقا ومن المعلوم ارتفاع الأصل بالدّليل كلزوم رفع اليد عن قاعدة اليد بالصّحيحتين وهذا معنى قولهم إنّ الأصل في الأمانات عدم الضّمان فمرادهم به القاعدة المستفادة من الأخبار لكن ورد في باب العارية ما هو أخصّ من القاعدة فيقتضي تخصيصها والحكم بالضّمان فلا بدّ من الخروج عنها كما خرجنا عنها مع شرط الضّمان بما دلّ عليه والنّصوص الواردة في هذا الباب على أربعة أضرب ووجوه أحدها : ما نفى الضّمان عن العارية من دون استثناء ثانيها : ما نفي الضّمان عن العارية مع استثناء الذّهب والفضّة ثالثها : ما نفى الضّمان عنها مع استثناء الدّرهم رابعها : ما نفى الضّمان عنها مع استثناء الدّينار وهذه كما ترى غير القسم الأوّل مشتملة على عقد سلبيّ وإيجابي ومن المعلوم ضرورة عدم التّعارض بين العقود السّلبيّة فيها كعدم التّعارض بين العقود الإيجابيّة فيها وإنّما التّعارض بين العقد السّلبي من الأوّل والإيجابي من الأخيرين كالتّعارض بين العقد السّلبي من كلّ من الأخيرين مع الإيجابي من صاحبه والضّرب الأوّل جملة من الرّوايات منها : ما عن ابن أبي عمير عن حمّاد عن الحلبي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان وقال ليس على مستعير عارية ضمان وصاحب العارية والوديعة مؤتمن والثّاني أيضا جملة من الرّوايات منها : ما عن ابن أبي عمير عن جميل عن زرارة قال قلت لأبي عبد اللَّه عليه السّلام العارية مضمونة فقال جميع ما استعرته فتوى فلا يلزمك تواه إلَّا الذّهب والفضّة فإنّهما يلزمان إلَّا أن تشرط عليه أنّه متى توى لم يلزمك تواه وكذلك جميع ما استعرت فاشترط عليك لرحمك والذّهب والفضّة لازم لك وإن لم يشترط عليك والثّالث ما رواه محمّد بن
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 57
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٥٧
هامش
( 1 ) وجه التأمل كون الترجيح بالاعتضاد المذكور من الترجيح بالأمر الخارجي ولا دخل له بقوة الدلالة هذا مضافا إلى أن الترجيح بالاعتضاد إنما هو إذا بنى على الترجيح في المقامين من وجه وإلا تعين الرجوع إلى عمومات نفي الضمان وجعلها مرجعا كما ذكر في الكتاب على ما عرفت فتدبر منه دام ظله العالي