تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
هناك مصلحة مجوّزة وإلَّا لم يتعيّن ارتكاب النّسخ أيضا هذا في المخصّصات الواردة في كلام النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله بعد العمل بالعمومات وأمّا المخصّصات الواردة في كلام بعض الأئمّة عليهم السلام بعد العمومات الواردة في كلام النّبي صلى الله عليه وآله أو بعض الأئمّة المتقدّمة عليه السلام أو الإمام الوارد في كلامه الخاصّ بعد مضي زمان العمل بالعام ففيها وجوه واحتمالات مذكورة في الكتاب أحدها : جعلها ناسخة بالتزام إيداع النّبي صلى الله عليه وآله النّاسخ عند الإمام عليه السلام حتّى لا ينافي تكميل الدّين في زمان النّبي صلى الله عليه وآله الَّذي قضى به العقل والنّقل حيث إنّ الوصيّ حافظ لما بلغه الرّسول صلى الله عليه وآله من اللَّه تعالى إلى الخلق ثانيها : الالتزام بكونها مخصّصة بمعنى كونها كاشفة عن المخصّصات المتّصلة المختفية من جهة العوارض ثالثها : جعلها مخصّصة من دون التزام بالاختفاء وهكذا الكلام في المقيّدات الواردة في كلام بعض الأئمّة عليهم السلام بعد العمل بالمطلقات الواردة في كلام النّبي صلى الله عليه وآله أو الأئمّة عليهم السلام فإنّه يجري فيها الوجوه المذكورة وخير هذه الوجوه الأخير منها فإنّ الوجه الأوّل وإن كان متصوّرا معقولا من حيث الكشف عن نسخ النّبي صلى الله عليه وآله وإيداعه عند الوصيّ عليه السلام على ما عرفت إلَّا أنّه يبعده منتهى البعد كثرة هذه التّخصيصات والتّقييدات غاية الكثرة مع كون أصل النّسخ قليلا غاية القلَّة فلا معنى لحملها عليه والوجه الثّاني يبعده أيضا بل يحيله العادة بعد ملاحظة عموم الابتلاء بها علما وعملا وكثرتها وانتفاء دواعي الاختفاء ومقتضياته وأمّا الوجه الأخير فهو وإن كان منافيا لقاعدة قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة في ظاهر النّظر إلَّا أنّه بعد التّأمّل يعلم بعدم التّنافي بينهما أصلا لأنّ القاعدة كما برهن عليها في محلَّه إنّما يقتضي البيان فيما لم يقتض المصلحة تأخيره وإلَّا فلا قبح في تأخيره أصلا فيكون تكليف المخاطبين بتلك الخطابات المشتملة على الظَّواهر أو المطَّلعين عليها ما يقتضيه ظواهرها ظاهرا اتّكالا على الأصول اللَّفظيّة المعتبرة عند العقلاء وأهل اللَّسان ولا بعد فيه أصلا فإنّه كما إذا اقتضت المصلحة بيان الأحكام تدريجا والرّجوع إلى الأصول العقليّة قبل البيان حتّى أنّه ورد عدم تكليف المكلَّفين في أوائل البعثة في مدّة عشر سنين إلَّا بالتّوحيد والاعتقاد بالرّسالة كذلك اقتضت تأخير بيان الصّوارف عن زمان العمل بالظَّواهر بل التّأمّل في الآثار والأخبار الواردة عن النّبي المختار والأئمّة الأبرار سلام اللَّه عليهم يوجب القطع بكون مبنى البيانات المتأخّرة على ما ذكرنا سيّما ما ورد في بيان معاملة الحجّة المنتظر عجّل اللَّه فرجه وسلامه عليه وعلى آبائه الطَّاهرين في زمان ظهوره وأنّه يحكم ببطون كلام اللَّه تعالى وما انطوت عليه الصّحيفة الفاطميّة سلام اللَّه عليها كما يظهر من رواية جابر وغيرها وما ورد في بيان إخفاء الأمير سلام اللَّه عليه ما جمعه من آيات الكتاب بعد رحلة النّبي صلى الله عليه وآله ضرورة عدم نسخ الدّين في زمان ظهور الحجّة فليس الوجه إلَّا أنّ الأئمّة عليهم السلام كانوا مكلَّفين بإظهار ما أمروا بإظهاره في أزمنتهم كلّ بحسب ما يقتضيه تكليفه حسب المصلحة لا يقال : ما ذكر ينافي شأن النّبي صلى الله عليه وآله سيّما بملاحظة ما ثبت عنه في حجّة الوداع كما في الكتاب وغيره من بيانه جميع ما يحتاج إليه الأمّة وأنّه أكمل الدّين وبلَّغ جميع ما أمر بتبليغه لأنّا نقول : ما ذكرنا لا ينافي كونه رسولا مبلَّغا تمام الدّين إلى الأمّة فإنّ بيانه جميع الأحكام لا ينافي إيداعه جملة من الأحكام عند الأوصياء يبيّنونها للأمّة حسب اقتضاء المصلحة في مرور الأعصار فإن قلت : ما ذكر يوجب سدّ باب التّمسك بالظَّواهر للمخاطبين وغيرهم إذ بعد تجويز تأخير البيان عن وقت الحاجة ليس هنا ما يقضي بإرادة المتكلَّم ظاهر كلامه فيوجب ذلك إجمال جميع الخطابات بل الألفاظ إذ غاية ما يدفع بالأصول العقلائية هو احتمال السّهو والخطاء والاشتباه ونحوها وأمّا احتمال التّعمّد في ترك نصب القرينة والصّارف فليس هناك ما يدفعه وليس مرجوحا أيضا بعد كثرة وقوعه وهذا ما ذكرنا من إدّاء ذلك إلى إجمال الألفاظ بأسرها قلت : إيجاب ما ذكرنا لسدّ باب التّمسك بالظَّواهر توهّم فاسد إذ التّعمّد في ترك نصب القرينة لرعاية المصلحة في اختفاء المراد على خلاف ما يقتضيه الأصول ووضع التّخاطب والمحاورات فلا يعتنى باحتماله عند أهل اللَّسان فهو نظير التّورية فيما كان هناك ما يقتضي إخفاء المراد مع أنّ تجويزها لا يوجب التّوقّف والإجمال وسدّ باب التّمسّك بالظَّواهر عند احتمالها وهذا هو المراد بما أفاده شيخنا العلَّامة في الجواب عن السّؤال المذكور بقوله قلت المستند في إثبات أصالة الحقيقة إلخ ثمّ إنّ ما ذكرنا لا يختصّ بالمخصّصات والمقيّدات المتأخّرة الواردة بعد العمل بالعمومات والمطلَّقات بل يجري في جميع الصّوارف المتأخّرة عن أزمنة العمل بالظَّواهر فإنّه وإن احتمل كونها كاشفة عن القرينة المختفية عن أهل زمان الاطَّلاع على الصّوارف إلَّا أنّ المتعيّن على ما عرفت جعلها قرينة بأنفسها مختفية عن أهالي أزمنة ورود الظَّواهر في حقّهم أو مخاطبتهم بها وكون تكليفهم ظاهرا العمل بتلك الظَّواهر ثمّ إنّا وإن أشرنا إلى جملة من المرجّحات الصّنفيّة والنّوعيّة بحسب الدّلالة في مطاوي كلماتنا إلَّا أنّه لا بأس في شرح القول في بعضها اقتفاء لأثر شيخنا الأستاذ العلَّامة فمنها : ما إذا ورد هناك عام ومطلق تعارضا في بعض مصاديقهما
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 54 | ميرزا محمد حسن الآشتياني