وبمنزلته بالنّسبة إلى بناء أهل العرف واللَّسان وإن شئت قلت إنّ معنى حكم الشّارع بعدم الاعتناء باحتمال عدم صدور النّص جعله قرينة للظَّاهر وعدم الاعتناء باحتمال عدم وجود القرينة وهو الرّجوع إلى الظَّاهر في حكم الشّارع لولا حكمه بعدم الاعتناء فتقديم النّص على الظَّاهر في الفرض ليس كتقديم الأظهر على الظَّاهر عند العرف من حيث رجوعه إلى التّرجيح بقوّة الظهور مع وجود التّعارض وإن كان لبنائهم موضوعيّة في حقّنا بل جهته الحكومة والتّقدم الذّاتي فيخرج عن موضوع التّعارض والتّنافي على ما عرفت من عدم صدق المعارض على الشّارح للدّليل الآخر فيكون تقديم النّص على الظَّاهر كتقديم الدّليل الاجتهادي الظَّني على الأصل الشّرعي المعمول به عند الشّك في الواقع والاحتمال وإن زعم بعض معاصرينا فيما أملاه في المسألة الفرق بينهما فجعل الأوّل من التّعارض والثّاني خارجا عنه بزعم اختلاف المحمول في الأصل والدّليل لكنّك قد عرفت ضعفه ولعلَّنا نتكلَّم فيه زيادة على ما عرفت بعد ذلك إن شاء اللَّه تعالى وممّا ذكرنا كلَّه يظهر لك الوجه في قول شيخنا قدس سره هذا كلَّه على تقدير كون أصالة الظَّهور من حيث أصالة عدم القرينة وأمّا إذا كان من جهة الظَّن النّوعي الحاصل إلخ فإنّ إثبات قرينيّة النّص إنّما هو بحكم الشّارع الرّاجع إلى إيجابه عدم الاعتناء باحتمال عدم الصّدور المسبّب عنه الشّك في قرينيّة النّص وهذا بخلاف كون حجّيّة الظَّهور النّوعي مقيّدا بحسب الاعتبار عند العرف والعقلاء بعدم وجود الظَّن المعتبر على الخلاف
قوله : قدس سره وقبل الشّروع في حكمهما لا بدّ من الكلام في القضيّة المشهورة إلخ
أقول : الكلام في المقام يقع في موضعين أحدهما في المراد من القاعدة وشرح الألفاظ الواقعة فيها ثانيهما في مدركها فنقول المراد من الجمع حسبما يفصح عنه كلماتهم الأخذ بجميع جهات المتعارضين وإن أوجب التّصرّف في الدّلالة وإلَّا لم يكونا متعارضين فإنّ مرجع الجمع حقيقة إلى تحكيم دليل الجهتين وترجيحه على دليل اعتبار الظَّاهر فطرح الظَّاهر بقرينة الأظهر داخل في الجمع ومنه يظهر عدم جريان القاعدة في الآيتين المتعارضتين ولا في السّنتين النّبويّين ولا في الخبرين القطعيّين من حيث الصّدور والجهة إذ لا دوران بين الأمرين في هذه الموارد فيتعيّن الحكم بإرادة خلاف الظَّاهر منهما أو من أحدهما على التّعيين إذا كان هناك معيّن من الدّاخل أو الخارج أو لا على التّعيين إذا لم يكن فيحكم إجمالا بإرادة ما يجامع الواقع من المتعارضين وإن لم نعلمه بعينه ومنه يعلم تطرّق المناقشة إلى ما ذكره بعض أفاضل من عاصرناه من جريان القاعدة في الكتاب والسّنة حيث قال في طيّ الأمور الَّتي ذكرها في المقام الثّالث أنّ الجمع كما يأتي في أخبار الآحاد الظَّنية كذلك يأتي في قطعي الصّدور بل في آيات الكتاب أيضا من غير فرق وفي الموضعين يحتاج إلى الدّليل لأنّ الأصل في المتعارضين التّساقط
انتهى كلامه وهو كما ترى اللَّهمّ إلَّا أن يكون مراده جريان نفس الجمع لا القاعدة المختصّة بالأخبار الظَّنية
فتدبّر ؛ كما أنّه يظهر منه عدم جريانها في النّصين ضرورة عدم إمكان التّصرف فيهما من حيث الظَّهور والتّأويل وإن أمكن الجمع بمعنى آخر وهو التّبعيض من حيث العمل بأدلَّة الصّدور مثلا كما يراد من الجمع بين البيّنتين في الموضوعات والطَّرح في العامّين من وجه في أدلَّة الأحكام ترجيحا أو تخييرا فإنّ لازم الأخذ بهما في مادّتي الافتراق مع الطَّرح الصّدوري هو التّبعيض في الحكم بالصّدور وفي العمل بدليل حجيّتهما صدورا فيكون كالجمع بين البيّنتين كما ستقف على شرح القول فيه وقد وقع التّصريح بما ذكرنا في المراد من الجمع مع كمال ظهوره في الكتاب وفي كلام غير واحد فلا تغرّنك ما تراه في
كلام بعض هذا بعض الكلام في الجمع وأمّا الإمكان فكلماتهم غير نقيّة عن التّشويش والاختلاف في المراد منه وقد صرّح شيخنا الأستاذ العلَّامة قدس سره في الكتاب بأنّ المراد منه الإمكان العرفي في مقابل الامتناع عندهم حيث إنّ الحكم بإرادة خلاف الظَّاهر من اللَّفظ من دون قرينة وشاهد ممتنع عند العرف والعقلاء وأهل اللَّسان وإلَّا لم يكن الظَّهور معتبرا عندهم وهو خلف ووافقه في ذلك غير واحد بل استظهره من كلام صاحب الغوالي المدّعي للإجماع على تقديم الجمع على الطَّرح إذ لولا إرادة هذا المعنى لم يبق مورد للعمل بالمرفوعة مع أنّه صرّح بوجوب الرّجوع إليها فيما لم يمكن الجمع بين الخبرين المتعارضين إذ على تقدير إرادة الإمكان العقلي وحمل المتعارضين أو أحدهما على معنى لا شاهد له أصلا بمجرّد إمكان إرادته واحتماله بضرب من التّأويل لم يبق مورد للعمل بالحديث وحاصل هذا المعنى كما ترى بعد خروج فرض وجود الشّاهد من الخارج على إرادة خلاف الظَّاهر من المتعارضين عن محلّ الكلام وخروج النّص والظَّاهر عن عنوان المتعارضين على ما عرفت وستعرف يرجع إلى بيان لزوم تقديم التّرجيح من حيث الدّلالة وقوّة الظَّهور على سائر وجوه التّراجيح كتقديمه وتقديمها على التّخيير اتّفاقا في قبال من أوهم كلامه تقديمها عليه كالشّيخ قدس سره في بعض كلماته على ما ستقف عليه ولو جعل تقابل النّص والظَّاهر من التّعارض مسامحة أمكن التّعميم له فتكون القاعدة
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 14
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٤