تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 9

مساهمون:

ص٩
اختصاص العمل بالأدلَّة بالمجتهد بالنّسبة إلى جميعها عرضيّ لا ذاتي وإلَّا فأصل العمل بمقتضاها مشترك بين المجتهد والمقلَّد فإنّ معاصري الأئمّة صلوات اللَّه عليهم أجمعين ممّن كان من أهل اللَّسان بل مقاربي أعصارهم كانوا يعملون بالرّوايات الَّتي يسمعونها عنهم عليهم السلام أو المرويّة عنهم عليهم السلام بتوسّط الثّقات كما يعملون بفتاوي من رخّص لهم الأئمّة عليهم السلام الأخذ بها وهذا أمر ظاهر لا ينكره أحد بل يمكن دعوى كون غالب المخاطبين بالعمل بروايات الثّقات من العوام وإن هو إلَّا نظير أخذ الفتوى من المجتهد في زماننا فإنّه قد يكون بلا واسطة وقد يكون بتوسّط الوسائط المعتبرة وهذا بخلاف زماننا وأشباهه فإنّه لا يجوز للعامي العمل بالرّوايات وليس ذلك إلَّا من جهة قدرة أهل الزّمان السّابق على تحصيل شروط العمل بالرّوايات من الفحص عن الصّوارف والمعارضات ومرجّحاتها وعجز أهالي الأعصار المتأخّرة بل ربما لا يحتاجون إلى الفحص أصلا من حيث كون الخطاب الملقى إليهم في زمان الحاجة إلى العمل بالحكم في الواقعة نظير بيان المجتهد للعامي في مقام العمل والحاصل أنّا لا ننكر وجود التّقليد في أعصار الأئمّة عليهم السلام فإنّه من الواضحات الَّتي لا ينكرها إلَّا المعاند كيف والأخبار التي وردت في باب التقليد وردت في حقّهم مضافا إلى قيام الإجماع ودلالة الكتاب العزيز عليه كآيتي النّفر والسّؤال ونحوهما إلَّا أنّ مدار الأحكام في حقّ العوام في تلك الأزمان لم يكن منحصرا في التّقليد كزماننا بل لهم أن يعملوا بالرّوايات كما يكشف عنه ما ورد في كتب بني فضال وأضرابهم ممّن كان على الحقّ فعدل عنه بل هذا أيضا واضح بل أوضح لا ينكره إلَّا معاند وهذا الوجه كما ترى وإن اقتضى دخول المسألة في علم الأصول إلَّا أنّه يتوجّه عليه مضافا إلى النّقض بالقواعد الفقهيّة المسلَّمة كقاعدة الحلَّية والطَّهارة وأمثالهما في الشّبهات الحكميّة حيث إنّ كونها من مسائل الفقه من المسلَّمات مع أنّه لا يتمكَّن العامي من الأخذ بها من حيث اشتراطها بالفحص المتعذر منه بأنّه لا يصلح للمعارضة لما ذكرنا من الوجه المقتضي لكونها من مسائل علم الفقه فإنّك قد عرفت أنّ الرّجوع إلى موضوع العلوم في باب التّميز مقدّم على الموازين فلا بدّ من القول بكون ما ذكر من اللَّازم لازما غالبيّا لأغلب المسائل الفقهيّة لا لنفس المسألة الفقهيّة كيف ما كانت حتّى ما كان من القواعد الكليّة الظَّاهرة المتوقّفة على الفحص فتدبّر ثمّ إنّه يظهر ممّا ذكرنا كلَّه توجّه المناقشة إلى ما أفاده السيّد بحر العلوم قدس سره من جعل الاستصحاب دليلا على الحكم في موارده ومجاريه وجعل الأخبار الواردة في الباب دليلا على الدليل نظير خبر الواحد حيث إنّه دليل على الحكم في مورده وآية النّبأ أو غيرها من أدلَّة اعتباره دليل على الدّليل كما حكاه شيخنا قدس سره عنه في الكتاب حيث إنّه بظاهره محلّ مناقشة جزما فإنّك قد عرفت أنّ حقيقة الاستصحاب على الأخبار هو عين مفاد الأخبار النّاهية عن نقض اليقين بغير اليقين فليس هنا استصحاب مع قطع النّظر عن الأخبار حتّى تجعل دليلا عليه كخبر الواحد بالنّسبة إلى آية النّبأ مثلا فإنّ هناك أمورا المسألة الفقهيّة الَّتي ورد فيها الخبر ونفس الخبر وآية النّبأ وأمّا في المقام فليس فيه إلَّا المسألة الفقهيّة التي تتكفّل لبيان حكمها في مرحلة الظَّاهر الأخبار الواردة فيه فطهارة من خرج عنه المذي مثلا حكم شرعيّ هو مدلول قوله لا تنقض اليقين بالشّك وليس هنا استصحاب غير هذا المدلول فما أفاده بظاهره غير مستقيم جدّا اللَّهم إلَّا أن يوجّه بتنزيل الأخبار على إرادة بيان اعتبار الظَّن الاستصحابي وهو في غاية البعد من كلامه هذا وسيجئ تتمّة الكلام فيما أفاده في تنبيهات الاستصحاب عند تعرّض شيخنا الأستاذ العلَّامة قدس سره له هذا بعض الكلام في القسم الأوّل وهو الاستصحاب الجاري في الحكم الفرعي وأما القسم الثاني وهو الاستصحاب الجاري في الحكم الأصولي كما ينفي وجود المعارض بعد الفحص أو يحكم بحجيّة العام المخصّص بالاستصحاب ونحوهما فلما كان مدلول الأخبار فيه مسألة أصوليّة فلا محالة يحكم بكون التكلَّم فيه بالنّسبة إليه داخلا في المسألة الأصوليّة نظير إثبات المسألة الأصوليّة بأدلَّة نفي الحرج كما ينفي وجوب تحصيل العلم بعدم الدّليل أو المعارض في العمل بالأصل والدّليل بلزوم الحرج منه وأمّا القسم الثّالث وهو الاستصحاب الجاري في الشّبهة الموضوعيّة فلا إشكال في كون التّكلَّم فيه من التّكلم في المسألة الفرعيّة وإن قيل باعتباره من باب العقل حيث إنّ الحكم المستنبط منه حكم فرعيّ ظاهريّ فإنّ معنى حجيّة الأمارة في الموضوعات ليس جعل نفس الموضوع بل جعل أحكامه ولا يتوصّل بها إلى الأحكام الفرعيّة الكلَّية حتّى يدخل البحث فيه من باب الظَّن في البحث عن الأدلَّة لكي يدخل في المسألة الأصوليّة والحاصل أنّ المجعول في الموضوعات المردّدة سواء كان مبنى الاستصحاب على الظَّن أو التّعبّد هو الحكم الشّرعي الظاهري على كلّ تقدير سواء كان جعله ابتداء أو بالذّات فيسمّى أصلا أو بواسطة قيام الأمارة على الموضوع فيكون التّكلَّم في الاستصحاب من باب الظَّن في الموضوعات الخارجيّة كالتكلَّم في اعتبار سائر الأمارات كأصالة الصّحة واليد والغلبة والبيّنة ونحوها فلا فرق في التّكلم في لزوم البناء على الطَّهارة مثلا في الموضوعات بين أن يكون الكلام فيه من حيث اقتضاء الشّك ذلك من جهة أصالة الطَّهارة أو من حيث اقتضاء الاستصحاب لها فيما كان مسبوقا بالطَّهارة على القول به من باب الظَّن أو قيام البيّنة عليها ولو كان مسبوقا بالنجاسة في كون البحث على الجميع عن الحكم الفرعيّ الظَّاهري وإن اختلف مفادها من جهة أخرى كما لا يخفى فقد تبيّن ممّا ذكرنا كلَّه أنّه كما يختلف حال المسألة من حيث الدّخول في مسائل علم الأصول أو الفروع بالنّظر إلى جهة اعتباره في الجملة كذلك يختلف حالها بالنّظر إلى موارد