وإن تعلَّق بالبقاء إلَّا أنّ إنشاء البقاء في مرحلة الظَّاهر عبارة عن جعل نفس المستصحب في زمان الشّك إن كان قابلا كالاستصحاب الحكمي وجعل آثاره الشّرعيّة إن لم يكن قابلا كالاستصحاب الموضوعي كما ستقف على تفصيل القول فيه ومتعلَّق هذا الحكم على كلّ تقدير فعل المكلَّف والظَّن بالبقاء وإن كان راجعا إلى الظَّن بوجود المستصحب في الزّمان الثّاني شخصا أو نوعا إلَّا أنّه بملاحظة دليل اعتباره يرجع إلى جعل الشّارع في مرحلة الظَّاهر على ما عرفت مع تفاوت بينهما ستقف عليه إن شاء اللَّه تعالى
قوله : قدس سره إن عدّ الاستصحاب من الأحكام الظَّاهريّة إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ التكلَّم في هذا الأمر كالتّكلَّم فيما يتلوه من الأمور من التكلَّم في المبادي التّصوريّة للمسألة كالتّكلَّم في بيان حقيقة الاستصحاب حيث إنّه من جهة كثرة مباحثه وشدّة الحاجة إليه في المسائل الفقهيّة صار عندهم بمنزلة علم مستقلّ فوضعوا له دفترا وكتابا
ثمّ إنّا ذكرنا المراد من الحكم الواقعي والظَّاهري فيما قدمنا لك من المباحث في طيّ الجزء الأولّ من التعليقة وإنّ الحكم الثّابت بالأدلَّة الظَّنية حكم ظاهريّ فيما كان الظَّن طريقا إلى متعلَّقه وملحوظا بهذه الملاحظة كالحكم الثّابت في مجاري الأصول وقد أذعن بذلك شيخنا قدس سره فيما تقدّم من أجزاء الكتاب بل هو من الأمور الواضحة عندهم بحيث لا يرتاب فيه على القول بالتخطئة في ظنون المجتهد فقد يزعم الجاهل بكلمات شيخنا أنّ للحكم الظَّاهري عنده بل عندهم إطلاقين أحدهما أعمّ من الآخر الأوّل ما ثبت للجاهل بالواقع الثّاني ما ثبت للشّاك بالواقع أو ما ثبت للشّيء من حيث الشّك في حكمه الأوّلي والأوّل أعمّ من الثّاني فإنّ الحكم الثّابت للشيء من حيث الجهل بحكمه الأوّلي قد يتعلَّق به من حيث الظَّن به وقد يتعلَّق به لا من الحيثيّة المذكورة بل من حيث عدم العلم به والشّك فيه فيشمل الحكم الظَّاهري على الإطلاق الثّاني فقوله إن عدّ الاستصحاب من الأحكام الظَّاهريّة جار على الإطلاق الثّاني الأخصّ المختصّ بموارد الأصول التّعبّدية هذا وأنت خبير بعدم الإطلاقين للحكم الظَّاهري
نعم ؛ وجود القسمين له ليس محلَّا للإنكار فالمراد من الحكم الظَّاهري في قوله كما يفصح عنه صريح كلامه هو الثّابت للموضوع من حيث عدم العلم بحكمه الأوّلي لا من حيث الظَّن به شخصا أو نوعا فلا شبهة في المراد من العبارة ولا حاجة إلى إثبات الإطلاقين والمعنيين للحكم الظَّاهري والمقصود ممّا أفاده بيان أنّ عنوان الاستصحاب في الأصول العمليّة وعدّه منها على ما اقتضاه التّقسيم في الجزء الأوّل من الكتاب إنّما هو إذا قيل به من باب الأخبار ولم نقل بكونها ناظرة إلى بيان حجيّة ظن الاستصحاب بحيث يكون الملحوظ فيها ذلك كما احتمله المحقّق القميّ
قدس سره ومال إليه بعض من تأخّر وإنّه إذا قيل بكونه من العقل الظَّني لا بدّ أن يعدّ في الأدلَّة العقليّة الظَّنية كغيره ممّا عدّوه فيها ومن هنا عنونه الأكثرون في الأدلَّة العقليّة وإن وافقهم في العنوان بعض من ذهب إليه من باب التّعبّد من جهة مجرّد الموافقة والتّبعيّة وبيان عدم صلاحيّة ما أقاموا عليه من باب الظَّن فالاستصحاب على القول به من باب الأخبار من الأصول العمليّة لا مطلقا وهذا بخلاف الأصول الثّلاثة فإنّه لا فرق في عدّها من الأصول بين الاستناد فيها إلى الأدلَّة الشّرعيّة أو العقل حيث إنّ الثابت بالعقل فيها حكم ظاهريّ على ما عرفت الكلام فيه في الجزء الثّاني من التّعليقة على تقدير كون الثّابت في باب البراءة بالعقل هو الحكم الشّرعي بل قد عرفت ثمّة أنّ التخيير الَّذي هو من الأصول ليس إلَّا عقليّا
نعم ؛ لو كان الاستناد في باب البراءة والاحتياط إلى استصحابها واستصحاب الشّغل أو التّكليف الثابت في موارد وجوب الاحتياط وقيل باعتباره من باب العقل الظَّني كانا من الأدلَّة الظَّنية أيضا كالاستصحاب على ما يظهر من غير واحد كصاحب المعالم وغيره على ما أسمعناك في محلَّه وإن كان القول به في كمال الضّعف والسّقوط على ما عرفت في محلَّه
ثمّ إنّ أوّل من تمسّك بالأخبار للاستصحاب الشّيخ الجليل الشّيخ عبد الصّمد والد شيخنا البهائي قدس سرهما في العقد الطَّهماسبي على ما في الكتاب وشاع بين من تأخّر عنه ولم يظهر ممّن تقدّم عليه التمسّك له بها وإن استنصر الشّيخ قدس سره في العدّة للقائل بحجيّة بما رواه عنه في الكتاب وهذا محلّ التعجّب جزما لأنّ هذه الأخبار الصّحاح الواردة في باب الاستصحاب المعدود بعضها في حديث الأربعمائة قد وصلت منهم إلينا فلم لم يتمسّكوا بها مع صحّة سندها ووضوح دلالتها سيّما بالنّسبة إلى ما استنصر به الشيخ قدس سره واحتمال غفلتهم عنها وعدم وقوفهم عليها كما ترى هذا وربما قيل بتمسّك القدماء كافّة بها لإثبات قاعدة اليقين وأنّها عندهم غير الاستصحاب الَّذي قالوا به من باب العقل والظَّن وهذا أيضا كما ترى فإنّي بعد التتبع التّام في كلماتهم لم أقف على ذكر لقاعدة اليقين فيها إلَّا في كلام شاذ لا يعبأ به وإن كنت في ريب من ذلك فراجع إليها فإنّها بمرأى منك وأمّا استظهار التمسّك
من الحلَّي في السرائر من حيث تعبيره عن بقاء نجاسة الماء المتغيّر بعد زواله بنفسه بعدم نقض اليقين باليقين الموجود في أخبار الباب من جهة ظهوره في الاعتماد عليها كما يظهر من شيخنا قدس سره في الكتاب فهو ضعيف من حيث إنّ الاتّفاق في التّعبير لا ظهور له في الاستناد أصلا وإلَّا فهذا التعبير موجود في كلام الشيخ في مواضع من مبسوطه وفي كلام الشّهيد قدس سره كما سيأتي في الكتاب ومن هنا أمر شيخنا قدس سره بالتّأمّل فيه بعد الاستظهار من كلام الشّهيد فيما سيأتي
قوله : قدس سره إن عدّ الاستصحاب على تقدير اعتباره من باب الظَّن من الأدلَّة العقليّة إلخ
أقول : لا يخفى عليك
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 6
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٦