أنّه لا جامع بين هذين المعنيين وإن كان لفظ اليقين والشّك والنّقض موجودا فيهما
قوله : فالوجه فيه إمّا الحمل على التّقيّة إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ إرادة القاعدة من الموثّقة أولى من إرادتها من الصّحيحة المتقدّمة لأنّها كانت ظاهرة في الاستصحاب بخلاف هذه لأنّها إمّا ظاهرة في القاعدة أو مردّدة بينها وبين الاستصحاب في نفسها فيجعل ما جعله الشّارع أصلا في سائر الأخبار من البناء على الأكثر بضميمة سائر القرائن المتقدّمة قرينة للمقصود ورافعة لإجمالها
نعم ؛ بعض القرائن الَّتي ذكرناها في الصّحيحة لا يجري في المقام لكن فيما تجري غنى وكفاية والمفروض أنّه لا جامع بين القاعدة والاستصحاب حتّى تحمل عليه مع عدم الدّليل عليه كما تقدّم تفصيل القول فيه فتحمل على القاعدة فيصير حاصل معنى الرّواية على هذا التّقدير أنّه إذا شككت فابن علي تحصيل ما هو المتيقّن لك من العمل
نعم ؛ لا بدّ من أن يكون الرّاوي عالما بالمراد من الموثّقة إمّا ببيان الإمام عليه السلام له من الخارج أو بملاحظة سائر الرّوايات على تقدير عدم الظَّهور فيها بل على تقدير الظَّهور لأنّ غاية ما يكون الموثّقة ظاهرة فيها هو البناء على قاعدة الشّغل وتحصيل اليقين بالفراغ وأمّا أنّ الأخذ بأيّ شيء يوجب هذا فالرّواية ساكتة عنه قطعا
قوله : نعم يمكن أن يقال بعدم الدّليل على اختصاص الموثّقة إلخ
أقول : لا إشكال في عدم وجود شيء في الموثّقة يدلّ على اختصاصها بشكوك الصّلاة فضلا عن الشّكّ في ركعاتها فلو استظهر من لفظ البناء سبق اليقين أمكن أن يقال بظهورها في الاستصحاب إذ لا ينافي جعله أصلا جعل البناء على خلافه أصلا في خصوص شكوك الرّكعات من باب التّخصيص فالمدار في ظهورها وعدمه على استظهار سبق اليقين وعدمه وإن كان صريح الكتاب المنع من ظهورها على تقدير تسليم الظَّهور المذكور فإنّ مقتضى قوله فهو أضعف دلالة إلى آخر ما ذكره ما ذكرنا من المنع على تقدير التّسليم نظرا إلى ما سنذكره في رواية خصال في أوّل النّظر وإن كان مقتضى استدراكه أخيرا ظهورها في الاستصحاب ولذا فرّع قوله فيما سيأتي فالإنصاف أنّ قوله إلى آخره عليه وأمّا قوله قدس سره لاحتمالها إلى آخره فلا ينافي ما استظهرناه من إفاداته من المنع فإنّ المراد من احتمال إرادة إيجاب العمل بالاحتياط في الموثّقة ليس هو الاحتمال الموهوم الغير المنافي لظهورها في الاستصحاب كما هو ظاهر فتدبّر
قوله : أقول لا يخفى عليك أن الشّك واليقين لا يجتمعان إلخ
أقول : من الواضحات الغير المحتاجة إلى البيان أنّ اليقين والشّك ممّا لا يجتمعان بأن يتعلَّقا بشيء واحد من جميع الجهات في زمان واحد ضرورة تقابلهما وتنافيهما من حيث المفهوم فوجودهما لا يمكن إلَّا بتعدّد المتعلَّق أو بتعدّد زمان وجودهما والتّعدد في المتعلَّق إمّا أن يكون بحسب الذّات وبحسب قيد من قيودها كالزّمان والمكان ونحوهما فالَّذي هو معتبر في الاستصحاب هو تعدّد زمان متعلَّق الشّك واليقين وإن اتّحد زمان الوصفين كما فيما فرضه الأستاذ العلَّامة من المثال لأنّك قد عرفت في طيّ بعض كلماتنا السّابقة أنّه مع وحدة زمان المتعلَّق وتعدّد زمان الوصفين لا يصدق الاستصحاب موضوعا الَّذي قد عرفت أنّه عبارة عن الإبقاء وإثبات ما ثبت في زمان ونحوهما من العبائر القريبة منها والَّذي هو معتبر في القاعدة هو تعدّد زمان الوصفين مع وحدة زمان المتعلَّق الَّذي لازمه سراية الشّك اللَّاحق إلى اليقين السّابق ولهذا يسمّى في لسان جمع بالشّك السّاري وقد عرفت معنى عدم نقض اليقين بالشّك في الاستصحاب وأنّه عبارة عن انسحاب اليقين والالتزام بترتيب آثاره في زمان الشّك وأمّا معناه في القاعدة فهو الحكم بصحّة الاعتقاد في السّابق ومطابقته للواقع والالتزام بآثاره في زمان وجوده وعدم رفع اليد عنها بالشّك السّاري إليه وهذه القاعدة هي الَّتي تسمّى في لسان بعض المشايخ بأصالة الصّحة في الاعتقاد حيث إنّه قسّم أصالة الصّحة إلى أقسام أربعة أصالة الصّحة في الأفعال وأصالة الصّحة في الأقوال وأصالة الصّحة في الاعتقادات وأصالة الصّحة في جميع الموجودات الَّتي هي أعمّ من الثّلاثة السّابقة عليها فالجمع بين القاعدة والاستصحاب ممّا لا معنى له كما قد يتوهّم كما أنّك قد عرفت أنّ الجمع بين الاستصحاب وقاعدة الشّغل أيضا ممّا لا يمكن فلنا قواعد ثلاثة لا يمكن الجمع بينها في إطلاق واحد قد كانت الرّوايات السّابقة غير الصّحيحة والموثّقة ظاهرة في الاستصحاب والصّحيحة والموثّقة ظاهرتين في قاعدة الشّغل بالبيان المتقدّم والرّوايتان ظاهرتين في قاعدة الصّحة حسب ما استظهره الأستاذ العلَّامة أولا ولهذا تمسّك بهما بعض المشايخ لها حسب ما ستقف
عليه إن شاء اللَّه تعالى
قوله : فضلا عن تأخّر الأوّل عن الثّاني إلخ
أقول : ربما يستشعر من هذه العبارة بل يظهر منها أنّه يمكن في الاستصحاب فرض تقدّم زمان الشّكّ على زمان اليقين وهو من حيث الحصول ممّا لا إشكال فيه بمعنى كون الشّك حاصلا قبل اليقين كما لو كان يوم الجمعة شاكَّا في عدالة زيد وفي السّبت حصل له العلم بكونه عادلا في يوم الخميس فيستصحب عدالته في زمان القطع لو لم يكن قاطعا بزواله وأمّا من حيث الانعدام بمعنى انعدام الشّك في زمان اليقين كما لو كان زمان اليقين مقدّما فإنّه بعد وجود الشّك ينعدم فلا فلهذا ربما يدخل في فرض وحدة زماني الشّك واليقين مع تعدّد زمان المتعلَّق فتدبّر
قوله : وحيث إنّ صريح الرّواية إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ الصّراحة إنّما استفيدت من الفاء الظَّاهرة في التّعقيب ولهذا قد يناقش فيما ذكره دام ظلَّه من لفظ الصّراحة إلَّا أنّ مراده من الصّراحة
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 36
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٣٦