الرّواية في أخبار الاستصحاب وبالجملة الوجه الأوّل لا يمكن أن يكون مقصودا قطعا فيتعيّن إرادة الوجه الثّاني لانحصار الأمر فيه بعد تعذّر إرادة الوجه الأوّل إنّما الإشكال في معنى الرّواية على تقديره وكيفيّة تطبيقها على قاعدة الاحتياط الَّتي يحمل عليها الرّواية
فنقول : معنى الرّواية على الوجه الثّاني أنّه لا يجوز نقض اليقين بالاشتغال بالشّك فيه بمعنى أنّه لا يجوز رفع اليد عمّا يوجب القطع بالبراءة الَّذي يجب تحصيله بمقتضى الاشتغال اليقيني بالصّلاة بما يوجب الشّك في حصول البراءة والاكتفاء به في مقام الامتثال فالرّواية مساوقة للمرسل المرويّ في بعض كتب الفتاوي دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فالمقصود من اليقين ليس هو اليقين السّابق بل العمل الَّذي هو سبب لحصول اليقين بالبراءة لو أتي فعلا ومن الشّك هو العمل الَّذي لو اكتفي به لم يحصل اليقين بالبراءة فالمراد من اليقين والشّك هو سببهما باعتبار اقتدار المكلَّف فعلا عليهما فالمقصود من قوله لا تنقض اليقين بالشّك هو الأمر بتحصيل اليقين بالبراءة بعد هذا بإتيان ما يوجبه والنّهي عن الإتيان بما يوجب الشّك فيها وهذا لا دخل له بمعنى الاستصحاب الَّذي هو عبارة عن انسحاب اليقين السّابق والالتزام بأحكامه في اللَّاحق كما لا يخفى
وأمّا كيفيّة تطبيق الوجه الثّاني على هذا المعنى وبيان أنّ الرّكعة المنفصلة كيف يكون بمقتضى الاحتياط وأخذا بما يوجب اليقين بالبراءة وطرحا لما يوجب الشّك فيها مع أنّ هذا العمل في بادي النّظر مخالف للاحتياط من حيث استلزامه زيادة التّكبير والتّشهّد والتّسليم ولهذا قيل إنّ مقتضى قاعدة الاحتياط على تقدير عدم اعتبار الاستصحاب في المقام هو رفع اليد عن العمل والإتيان به ثانيا بعد إيجاد المبطل ولا يعارض بأنّ مقتضى ما دلّ على حرمة قطع العمل ووجوب المضي عليه هو عدم جواز رفع اليد فكيف يقال إنّ مقتضى القاعدة هو قطع العمل والإتيان به ثانيا لأنّ المفروض بعد حصول الشّك احتمال بطلان الصّلاة بنفسها كما هو الشّأن في الشّكوك المبطلة
فتدبّر ؛ فلا يعلم بعده بصدق الإبطال على رفع اليد عن العمل فيرجع إلى أصالة البراءة إذ لا معنى لإبطال الباطل وقطع المنقطع مضافا إلى عدم إمكان إحراز الواقع ودوران الأمر بين المحذورين فهي أن يقال إنّ الحكم بكون الرّكعة المنفصلة مبرئة للذّمة على وجه اليقين وكونها موافقة لقاعدة الاحتياط اللَّازم إنّما هو بعد الفراغ عن عدم قدح الزّيادات اللَّازمة على تقدير اختيارها فإنّه لا إشكال في أنّ الرّكعة المنفصلة على هذا التّقدير موافقة للاحتياط لأنّها على تقدير الاحتياط بها تنفعنا وعلى تقدير الاستغناء لا تضرّنا
فإن قلت : ليس هناك ما يدلّ على عدم قدح الزّيادات المذكورة فليجعل قدحها حسب ما هو قضيّة القاعدة قرينة على كون المراد هو الرّكعة المتّصلة
قلت : لا إشكال في استفادة عدم قدحها بعد ما عرفت من عدم جواز إرادة الوجه الأوّل لأنّه يتعيّن الوجه الثّاني على هذا التّقدير فيستدلّ به على عدم قدحها عند الشارع وإن هذا إلَّا كاستفادة سقوط الجهر والإخفات من اكتفاء الشّارع بثلاث صلوات فيما إذا علم المكلَّف بفوت صلاة
مردّدة بين صلوات الخمس مع تعليله الإتيان بالثّلاثة بتحصيل القطع بالبراءة هذا مضافا إلى إمكان استفادة عدم قدحها من الرّوايات الأخر وأنّ الرّاوي أيضا كان عالما بذلك هذا كلَّه مضافا إلى أنّ جعل قدح الزّيادات قرينة على كون المراد هو الوجه الأوّل ممّا لا معنى له حيث إنّ المفروض أنّ الرّكعة المتّصلة مبطلة للعمل إجماعا بل ضرورة كما عرفت فلا معنى للفرار عن القدح إلى ما يوجب القدح بل إنّ هو إلَّا مورد قول القائل ( حفظت شيئا وغابت عنك أشياء ) وممّا ذكرنا أخيرا يمكن الذّب عمّا قد يورد أيضا بأنّ قوله ولا تنقض اليقين بالشّك إلخ في قوة التّعليل والتّعليل بالأمر التّعبدي ممّا لا معنى له مضافا إلى ورود هذا الإيراد على تقدير حمل الرّواية على الوجه الأوّل أيضا كما لا يخفى اللَّهمّ إلَّا أن يقال إنّ الأخذ بالحالة السّابقة ممّا أطبق عليه بناء العقلاء في أمورهم فالتّعليل به تعليل بما هو مركوز في الأذهان ؛ فتأمّل
وبالجملة لا إشكال في عدم ظهور الرّواية بعد ملاحظة ما ذكرنا في الاستصحاب فهي إمّا ظاهرة في خلافه أو مجملة فعلى كلّ تقدير يسقط الاستدلال كما لا يخفى
قوله : وأمّا احتمال كون المراد من عدم نقض اليقين بالشّك إلخ
أقول : المحتمل بعض أفاضل المتأخّرين حيث قال في دفع ما أوردوا على الرّوايات المتمسّك بها لاعتبار الاستصحاب بضعف السّند في بعض وقصور الدّلالة في بعض أخر ما هذا لفظه وأمّا ما ذكره في الرّواية الثّانية فيمكن دفعه بأنّ قوله عليه السلام ولا ينقض اليقين بالشّك مسوق لبيان أنّه لا ينقض يقينه بعدم فعل الرّابعة سابقا بالشّك في فعلها لاحقا بأن لا يعوّل على شكَّه فيبني على وقوعها ويؤيّده قوله عليه السلام ولا يدخل الشّك في اليقين ولا يختلط أحدهما بالآخر بناء على أنّه مسوق لبيان أنّه لا يدخل الرّكعة المشكوكة فيها في اليقين أعني الصّلاة المعلوم اشتغال الذّمة بها أو لا يضمّها إلى الرّكعات الثّلاث اليقينيّة فيكون الظَّرفيّة على التوسّع ولا يختلط الشّك أعني تلك الرّكعة المشكوك في وقوعها باليقين أعني الصّلاة والرّكعات الثّلاث اليقينيّة بأن يبني على وقوع الأربع بل ينقض الشّك في لحوق فعل الرّابعة بيقين عدمها السّابق فينفي فعلها بالأصل فيبني عليه ويأتي بها على الوجه المقرر تحصيلا للبراءة اليقينيّة ويتمّ عليه ولا يعتدّ بالشّك في حال من الحالات بل يبني على بقاء ما تيقن ثبوته انتهى
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 34
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٣٤