رفع في الخلد مقامه وحاصل ما ذكره بتوضيح منّا أنّه لا منافاة بين دلالة الرّواية على اعتبار الاستصحاب كلَّية حتّى في المورد بالبناء على عدم وقوع المشكوك وما استقرّ عليه مذهب الخاصّة من البناء على الأكثر والإتيان بالرّكعة المنفصلة بل في الرّواية ما يدلّ عليه وهو قوله عليه السلام ولا يدخل أحدهما في الآخر إلى آخره فالرّواية صدرا تدلّ على اعتبار الاستصحاب وأنّه لا بدّ من البناء على عدم وقوع المشكوك وذيلا تدلّ على كيفيّة الإتيان به وأنّه لا بدّ من أن يؤتى به على ما هو مذهب الشّيعة فلا احتياج إلى حمل المورد على التّقيّة ولا إلى ارتكاب خلاف الظَّاهر في شيء
نعم ؛ لو لم يبيّن الذّيل لكيفيّة الإتيان بالمشكوك لكنّا محتاجين إلى استفادته من سائر ما ورد في باب الشّكوك والحكم بمقتضاها بأنّه لا بدّ من أن يؤتى به مستقلَّا ومعلوم أنّ هذا ممّا لا ينافي الاستصحاب في شيء لأنّ مقتضى الاستصحاب هو الحكم بعدم إتيان ما وقع الشّك في وقوعه لا الإتيان به متّصلا أو منفصلا هذا
ولكنّك خبير بعدم استقامة ما ذكره
أمّا أوّلا : فلأنّه لا يمكن الجمع بين العمل بالاستصحاب في المقام وما استقرّ عليه مذهب الخاصّة من البناء على الأكثر والإتيان بالمشكوك مستقلَّا ضرورة أنّ البناء على الأكثر الَّذي استقرّ عليه مذهب الخاصّة ونطقت به أخبارهم ينافي البناء على الأقلّ الَّذي هو لازم للعمل بالاستصحاب وأمّا القول بأنّ الاستصحاب لا يقتضي إلَّا البناء على الأقلّ والإتيان بالمشكوك متّصلا بل غاية ما يقتضيه هو البناء على عدم وقوع المشكوك فممّا لا يصغى إليه أصلا ضرورة أنّ مقتضى الاستصحاب هو فرض المشكوك كأن لم يكن كما في صورة القطع بعدمه
فإن قلت : ليس المذكور في الرّواية هو البناء على الأكثر وإنّما المذكور فيها هو الإتيان بالرّكعة المشكوكة منفصلة
قلت : لا بدّ من أن تحمل الرّواية على ذلك إن لم تكن ظاهرة فيه بملاحظة الأخبار الأخر السّابقة الآمرة بالبناء على الأكثر وأنّه لا بدّ من البناء حين العمل على وقوع المشكوك وبعده على عدمه والإتيان به مستقلَّا
فإن قلت : أيّ ثمرة بين البناء على الأكثر والبناء على الأقلّ وإنّما الَّذي عليه مذهب الخاصّة هو التّسليم في الرّكعة المردّدة والإتيان بالمشكوك منفصلا وقد ذكرنا أنّه يستفاد من الرّواية فإن شئت عبّر عنه بالبناء على الأكثر وإن شئت عبّر عنه بالبناء على الأقلّ إذ بعد فرض عدم الثّمرة بينهما لا يتفاوت التّعبيران
قلت : لا إشكال في وجود الثّمرة بين البناء على الأكثر والبناء على الأقلّ حسب ما صرّحوا به في الفقه في باب الخلل
فمنها : أنّه لو قطع بعد البناء على الأربع على فوت التّشهّد منه في الرّكعة السّابقة فإنّه بعد البناء على الأربع ليس عليه شيء أصلا لأنّ عدم إتيانه بالتّشهد فيها كان في محلَّه لأنّها من الرّكعة الثّالثة على هذا التّقدير وهذا بخلاف البناء على الأقلّ فإنّه يجب عليه الإتيان بالتّشهّد بعد الفراغ عن الصّلاة مع السّجدة للسّهو لأنّه فات منه التّشهّد على هذا
التّقدير من الرّكعة الثّانية
ومنها : أنّه لو علم في حال القيام بعد الشّك بين الثّلاث والأربع بعدم إتيانه بسجدة واحدة من الرّكعة الَّتي انتقل منها إلى القيام فإنّه لو بنى على الأقلّ يرجع شكَّه بعد العود لإتيان السّجدة وانهدام القيام إلى الشّك بين الاثنين والثّلاث قبل إكمال السّجدتين فيحكم بفساد صلاته بخلاف ما لو بنى على الأكثر فإنّه بعد البناء عليه تصير الرّكعة القائمة فيها بحكم الرّكعة الرّابعة والسّابقة عليها بحكم الرّكعة الثّالثة فعود الشّك على هذا التّقدير لا ثمرة له بل لا معنى للعود حينئذ بعد حكم الشارع بالبناء على كونها ثالثة هكذا ذكره بعض الأصحاب ولكنّه لا يخفى عليك ما فيه فإنّه بعد علمه بفوت السّجدة منه مع بقاء محلَّه لا يكون لشكَّه حكم في الشّرع أصلا لأنّ الشّك الَّذي له حكم في عدد الرّكعات هو الشّك المستقرّ ومعلوم أنّه بعد القطع بفوت السّجدة منه لا معنى لإعمال دليل الشّك فعلى كلّ تقدير يرجع شكَّه بعد انهدام القيام إلى الشّك بين الاثنين والثّلاث قبل الإكمال فيحكم بفساد الصّلاة
وأمّا ثانيا : فلأنّ ما ذكره بعد الغضّ عمّا ذكرنا أوّلا مخالف لظاهر الرّواية فإنّ المقصود من عدم دخول الشّك في اليقين وعدم اختلاطهما ليس ما ذكره من عدم الإتيان بالمشكوك والمتيقّن مجتمعين بل هما كناية عن عدم دخل الشّك في اليقين وتصرّفه فيه بحيث يلغى اليقين ويؤخذ بالشّك بل لا بدّ من البناء على تحصيل اليقين وعدم الاعتداد بما يوجب الشّك في حصول الرّكعة على تقدير اعتباره في حال من الحالات وبالجملة ما ذكره مخالف لظاهر الفقرات السّت لو لم يكن قوله فيبني عليه شيئا مستقلَّا بل تفريعا على ما قبله أو السّبع لو كان أمرا مستقلَّا وهذا معنى قوله دام ظلَّه في الرّسالة ففيه من المخالفة لظواهر الفقرات السّت أو السّبع حسب ما صرّح به في مجلس البحث وله وجه آخر وهو أنّه لو بني على إرادة المتيقّن والمشكوك من اليقين والشّك على ما هو لازم مذهبه من جميع الفقرات لزم ارتكاب خلاف الظَّاهر في الفقرات السّبع ولو بني على إرادتهما منهما بالنّسبة إلى غير الفقرة الأولى كما هو ظاهر كلامه لزم ارتكابه في الفقرات السّت
قوله : وأضعف من هذا دعوى أنّ حمله على وجوب تحصيل اليقين إلخ
أقول : ربما يستظهر الدّعوى المذكورة من كلام الفاضل المتقدّم وقد صرّح بها بعض المتأخّرين ووجه الأضعفيّة على ما صرّح به الأستاذ العلَّامة هو عدم وجود القدر الجامع بين المعنيين أعني الاستصحاب وقاعدة الشّغل لأنّك قد عرفت سابقا أنّ معنى عدم نقض اليقين بالشّك في الاستصحاب هو انسحاب اليقين السّابق والالتزام بآثاره في زمان الشّك ومعناه في القاعدة هو لزوم تحصيل ما يوجب اليقين بالامتثال وعدم الأخذ بما يوجب الشّك ومعلوم
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 35
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٣٥