تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
عن الضّرر فلم يستكشف عنها العقل وإن احتمل وجودها واقعا هذا ملخّص ما ذكره دام ظلَّه العالي وللنّظر فيه مجال واسع ويكفي في ردّه أنّه دام ظلَّه قد أورد على كثير ممّن تمسّك بهذا النّحو من الأصل في جملة من المقامات الَّتي لا يسع ذكرها هذا المضمار هذا ويمكن التفصّي عمّا أوردنا أوّلا بوجه آخر وهو أنّ فرض تعدّد السّبب والمقتضي وإن كان ممكنا في طرف الوجود بقول مطلق بل واقعا كما نشاهد بالعيان والوجدان إلَّا أنّ فرض تعدّده بالنّسبة إلى الأحكام الشّرعيّة المسبّبة عن المصالح والمفاسد الكامنة في الأفعال في غاية الإشكال فتأمّل والحاصل : أنّ حكم العقل في مسألة التّحسين والتّقبيح يرجع إلى كون العنوان الَّذي يعرضه الحسن والقبح العقليّين علَّة تامّة لهما لا أن يكون من إفراد السّبب عند العقل فإنّ مرجعه إلى كون العلَّة شيئا آخر وهو الأمر القدر المشترك بين الأسباب فتأثيرها في الوجود إنّما هو من جهة انطباق الجامع عليها لا من جهة تأثيرها بالنّظر إلى أنفسها وليس الأمر على هذا الوجه في مسألة التّحسين والتّقبيح وهذا بخلاف العدم فإنّه دائما مستند إلى عدم العلَّة المنطبق على عدم المقتضي ووجود المانع هذا كلَّه على تقدير كون العدم مستندا إلى العلَّة وهو انتفاء علَّة الوجود من حيث إنّ الممكن بالنّظر إلى ذاته خال عن اقتضاء أحد الطَّرفين وإلَّا لانقلب واجبا أو ممتنعا وهو خلف محال فيحتاج عدمه إلى المرجّح كوجوده وأمّا لو قلنا بامتناع التّأثير والتّأثر بالنّسبة إلى العدم وإنّ انتفاء علل الوجود لما كان كاشفا عن عدم الوجود ومعرّفا إليه لا محالة فيقال مسامحة إنّه علَّة العدم فعدم الشّيء باق على أزليّته ما لم يتحقّق علَّة الوجود ويكفي في كونه غير ممتنع بالذّات صلاحيّته لتأثير شيء في وجوده كما أنّ امتناعه الذّاتي معناه عدم إمكان وجوده بالمؤثّر فالفرق بين الوجود والعدم على هذا يكون ظاهرا من حيث إنّ تعدّد العلَّة بالنّسبة إلى العدم دائما يرجع إلى تعدّد المعرّف ولو بالنّسبة إلى الشّخصين إنّ اعتبر فعليّة التّعريف وهذا بخلاف الوجود قوله : وممّا ذكرنا ظهر أنّه لا وجه للاعتراض على القوم إلخ أقول : المعترض بعض أفاضل المتأخّرين ( صاحب الفصول ) فيما ذكره في تقسيم الاستصحاب حيث قال واعلم أنّه ينقسم الاستصحاب باعتبار مورده إلى استصحاب حال العقل والمراد به كلّ حكم ثبت بالعقل سواء كان تكليفيّا كالبراءة حال الصّغر وإباحة الأشياء الخالية من أمارة المفسدة قبل الشّرع وكتحريم التّصرّف في مال الغير ووجوب ردّ الوديعة إذا عرض هناك ما يحتمل زواله كالاضطرار والخوف أو كان وضعيّا سواء تعلَّق الاستصحاب بإثباته كشرطيّة العلم لثبوت التّكليف إذا عرض ما يوجب الشّك في بقائها مطلقا أو في خصوص مورد أو ينفيه كعدم الزّوجيّة وعدم الملكيّة الثّابتين قبل تحقّق موضوعهما وتخصيص جمع من الأصوليّين لهذا التّقسيم أعني استصحاب حال العقل بالمثال الأوّل أعني البراءة الأصليّة ممّا لا وجه له انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه وحاصل ما ذكره الأستاذ العلَّامة في دفعه هو أنّ الأصوليّين ليسوا مفصّلين في جريان الاستصحاب بين القضايا الوجوديّة المستندة إلى العقل والعدميّة المستندة إليه كيف وقد عرفت أنّ الاستصحاب لا يتحقّق موضوعا في كلّ قضيّة مستندة إلى العقل سواء كانت وجوديّة أو عدميّة وهم مطبقون على عدم الفرق أيضا فمرادهم من حال العقل الَّتي يذكرونها في تقسيم الاستصحاب ليس هو الحال المستندة إليه بل مرادهم من حال العقل هو الحال الَّتي تثبت في مورد حكم العقل من غير استناد إليه وإن كان للعقل مدخل في الحكم باستمراره ولمّا كان هذا المعنى مختصّا بالبراءة الأصليّة فلهذا اختصّوا حال العقل بها وأمّا الاختصاص بها فلما قد عرفت أنّ الوجود المستند إلى القضيّة العقليّة ليس له حالة سابقة يقينيّة مع قطع النّظر عن حكم العقل فالشّك فيه دائما يكون من جهة الشّك في الموضوع وأمّا العدم المستند إليه غير البراءة الأصليّة كما فيما ذكره من المثالين فهو وإن كان له حالة سابقة إلَّا أنّ بعد وجود الموضوع ليس ما يقتضي هناك باستمراره فلهذا اختصّ الحال بالمعنى المذكور بالبراءة الأصليّة ولا يتحقّق في غيرها هذا ملخّص ما ذكره دام ظلَّه العالي ويمكن أن يورد عليه على فرض صحّة ما ذكره من الفرق بأنّه خلاف الظَّاهر من كلماتهم حيث إنّ الظَّاهر منها كون المراد من حال العقل المستندة إليه لا الثّابتة في مورده وإن كان من غير جهته ويشهد لما استظهرنا مضافا إلى كونه الظَّاهر من اللَّفظ مقابلة الحالين أي حال العقل وحال الشّرع ضرورة أنّ المراد من الثّاني هو الحال المستندة إلى الشّرع لا الحال الثّابتة في مورد حكم الشّرع كما لا يخفى هذا مضافا إلى أنّ ما ذكره في بيان الفرق بين عدم التّكليف الثّابت حال الصّغر وقبله وبين سائر الأعدام الثّابتة في حال عدم الموضوع فيما إذا شكّ في ارتفاعها بعد وجود الموضوع بعد كون الحالة السّابقة في كلّ منهما مستندا إلى عدم الموضوع ممّا لم يعلم له معنى محصّل هذا ويمكن أن يقال إنّ مرادهم من تخصيص استصحاب حال العقل بالبراءة الأصليّة ليس هو عدم جريان الاستصحاب في سائر الأحكام العقليّة حسب ما هو مبنى الاعتراض بل إدراج البراءة الأصليّة في أقسام الاستصحاب أو بيان الفرد الظَّاهر من حكم العقل إلى غير ذلك ثمّ إنّ في كلام المعترض جملة من المناقشات لا بأس بالإشارة إليها أحدها : ما مثل به للحكم التّكليفي المستند إلى العقل من البراءة والإباحة ضرورة أنّهما ليستا من الأحكام التّكليفيّة قطعا ولو تكلَّف بإدراج الثّاني فيها لم