تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
به في مجلس البحث وإن كان ربما يظهر من العبارة في بادي النّظر خلافه من حيث وقوع التمثيل في كلامه لحكم الشّرع بما يحكم به العقل أيضا ابتداء لكنّه محمول على مجرّد الفرض كما هو ظاهر فلا تغتر بالتّمثيل بعد كون المقصود معلوما وحاصل ما ذكره الأستاذ العلَّامة دام ظلَّه في دفع هذا هذا الإيراد هو أنّ التّفصيل في الاستصحاب بين الأحكام العقليّة والشّرعيّة إن كان على تقدير القول به من باب الظَّن فهو ممّا لا معنى ولا محصّل له ولا مدفع لما أورد عليه لما قد عرفت أنّ الشّك في الحكم لا بدّ من أن يكون مستندا إلى الشّك في العلَّة دائما سواء كان الحاكم به الشّرع أو العقل لقضيّة صريح العقل بذلك في جميع الموجودات ومعلوم عدم تطرّق التّخصيص في القضايا العقليّة فمع الشّك في العلَّة لا يمكن الظَّن بالحكم المعلول لها سواء كان من الأحكام الشّرعيّة أو العقليّة وإلَّا لزم تجويز التفكيك بين العلَّة والمعلول وهو غير جائز وإن فرض الظَّن بالعلَّة في الزّمان الثّاني بملاحظة الغلبة في استمرار الموجودات أو القول بأنّه يظنّ من نفس الوجود في السّابق من حيث إنّ العلَّة المحدثة هي العلَّة المبقية فيظنّ من جهته ببقاء الحكم المعلول له فيرتفع الشّك الحاصل ابتداء لم يكن أيضا فرق بين الحكمين وإن كان على تقدير القول به من باب الأخبار كما هو المقصود في المقام حسب ما سيجيء من عدم الدّليل عليه غير الأخبار الواردة من الأئمّة الأطهار عليهم السلام فهو ممّا لا ضير فيه ولا يمنع منه ما هو المقرّر في محلَّه من حديث تبعيّة العقل للشّرع وعدم انفكاكه عنه والدّليل على ما ذكرنا على وجه التّوضيح وإن كان يمكن استفادته من مطاوي ما قدّمنا لك هو أنّ قاعدة التّطابق والتّلازم بين الحكمين لا يقتضي إلَّا كون العلَّة والمناط في حكم الشّرع هو المناط في حكم العقل بمعنى كونه موجبا للحكم عنده على تقدير اطَّلاعه عليه تفصيلا وأمّا اقتضاؤها كون الموضوع في القضيّة الشّرعيّة هو نفس المناط والعلَّة كما في القضيّة العقليّة فلا غاية الأمر كون المناط متصادقا مع الموضوع في القضيّة الشّرعيّة في الزّمان السّابق فالموضوع في القضيّة الشّرعيّة أعمّ ممّا هو المناط له واقعا فلنا في القضيّة الشّرعيّة أشياء ثلاثة المناط والموضوع والحكم والثّاني أعمّ من الأوّل لا بمعنى أنّه يوجد مع القطع بانتفاء المناط كيف وهو ممّا لا يعقل مع فرض الشّك في الحكم المسبّب عن الشّك فيه بل بمعنى أنّه يمكن مع القطع بالثّاني الشّك في الأوّل فإنّه قد يترتّب الشّارع الحكم في القضيّة على ما هو باق في زمان الشّك قطعا مع فرض الشّك في وجود العلَّة والمناط فيصدق أنّ ما هو الموضوع في الأدلَّة الشّرعيّة باق قطعا لأنّ الموضوع فيها ليس إلَّا ما حكم الشّارع عليه في القضيّة بكونه معروضا للحكم وهذا بخلاف القضيّة العقليّة فإنّ الموجود فيها شيئان موضوع ومحمول وأمّا العلَّة فهي عين الموضوع فيها وليست شيئا آخر والسّر فيه أنّ القضايا العقليّة كلَّها قضايا لبّية يحكم العقل فيها بنفس ما هو المناط الأولي للحكم فالمعروض لحكمه ليس إلَّا نفس ما هو المناط للحكم أولا الَّذي لا يعقل له تركَّب في هذا العالم ولا رافع له بل هو أمر بسيط وحدانيّ وإن عرض له التّركيب في عالم التّحليل ومثل حكم العقل من الجهة المذكورة حكم الشّرع النّفس الأمري المعبّر عنه في لسان جماعة بالإرادة النّفسانيّة فإنّه أيضا لا يعرض إلَّا الموضوع الأوّلي والمناط الحقيقي ضرورة أنّ العالم بالغيب لا يتعلَّق إرادته إلَّا مما هو العلَّة الأوّليّة فهذا الحكم الشّرعي كالعقلي يكون الشّك فيه دائما من جهة الشّك في بقاء الموضوع ومن هنا اتّفقت كلمتهم ظاهرا على امتناع النّسخ الحقيقي في الأحكام الشّرعيّة إلَّا أنّ هنا حكم شرعيّ آخر تعلَّق بما هو الموضوع في الأدلَّة الشّرعيّة وهذا الموضوع يمكن أن يكون أعمّ من المناط الواقعي بالمعنى الَّذي عرفته إذ لم يقض دليل على كون الواجب على الشارع جعل الموضوع في القضايا المبنيّة فيها الأحكام للعباد ظاهرا هو نفس ما هو العلَّة للحكم ففرض إحرازه والحكم ببقائه يجمع مع الشّك في وجود المناط في الزّمان الثّاني فيحكم بمقتضى أخبار الاستصحاب بعد فرض تحقّقه موضوعا على الالتزام بالحكم المتيقّن سابقا من باب التّعبّد والقول بأن مقتضى حكم الشرع تعبّدا بوجوب الحكم ببقاء الحكم يستلزم حكمه بوجوب الحكم تعبّدا ببقاء العلَّة له من حيث عدم جواز التّفكيك بين العلَّة والمعلول في جميع الشّؤون والعوالم ممّا لا يجدي شيئا ولا ينفع للخصم أصلا من حيث إنّ كلامنا في امتناع تحقّق الاستصحاب موضوعا في القضايا العقليّة وما ذكر على فرض صحّته ممّا لا دخل له به أصلا كما لا يخفى قوله : قدس سره نعم لو علم هذا المناط إلخ أقول : أراد بذلك أنّه بعد العلم التّفصيلي بالمناط يصرف الحكم إليه فيصير هو الموضوع والمعروض لحكم الشّرع أيضا فإذا شكّ في بقائه فيرجع الشّك فيه إلى الشّك في الموضوع المانع من تحقّق موضوع الاستصحاب كما لو قال حرمت الخمر لكونه مسكرا فيعلم منه أنّ معروض الحرمة هو نفس عنوان المسكر ولكنّه لمّا كان متصادقا مع الخمريّة حكم بحرمة الخمر هذا ولكنّك خبير بضعف ما ذكره دام ظلَّه فإنّا لا نعقل الفرق بين العلم التّفصيلي بالمناط والموضوع الأوّلي المعلَّق عليه الحكم عند العقل والعلم الإجمالي كما في صورة عدم تصريحه بالعلَّة وعدم العلم التّفصيلي بها من الخارج أيضا فإنّ العقل إن استقلّ بأنّ الموضوع في القضيّة الشّرعيّة لا بدّ أن يكون هو المناط الأوّلي فيبطل بناء عليه التّفصيل المتقدّم المبنيّ على إنكار هذا ولم يفرق بين العلم التّفصيلي المناط والعلم الإجمالي به كما لا يخفى وإن لم يستقلّ بذلك بل جوّز كون الموضوع في القضيّة الشّرعيّة غير المناط الأوّلي كما هو الحقّ المشاهد
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 18 | ميرزا محمد حسن الآشتياني