الأخذ بالمعنى الأوّل لا شاهد له أصلا
وأمّا الكلام في المقام الثّاني : فحاصل القول فيه أنّه بناء على المعنى الأوّل يختصّ الأخبار بالشّك في الوجود بناء على كون الظَّاهر من الشّك في الشّيء بالمعنى الأوّل هو الشّك في وجوده من حيث إنّه العنوان الأوّلي له وبه يصير الشّيء شيئا وهذا بخلاف الأوصاف الطَّارية عليه بعد الوجود فإنّه إذا شك فيها لا يستند الشّك إلى معروضها بالمعنى الأوّل بل لا بدّ من أن يكون مبنيّا على المعنى الثّاني ومنه يظهر فساد ما قد يقال إنّه لا ضير في إرادة القدر الجامع من الشّك في الشّيء بأن يراد منه كون الشّك متعلَّقا به بنحو من التّعلَّق لما قد عرفت أنّه لا جامع بين هذين المعنيين ومطلق التّعلَّق ليس من المعنى الحرفي بل من المعنى الاسمي ومن هنا ذكرنا في الجزء الثّاني من التّعليقة في ردّ من زعم جواز إرادة التّقسيم والتّرديد من قوله كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أنّ استعمال قوله عليه السلام منه في المعنيين موجب لاستعمال اللَّفظ في أكثر من معنى إذ لا جامع بينهما واللَّه العالم وبه الاعتصام فالرّواية على هذا المعنى تختصّ بالشّك في الوجود ولا يشمل الشّك في الصّحة وعلى المعنى الثّاني يختصّ بالشّك في الصّحة ولا يشمل الشّك في الوجود لأنّ المفروض كون المشكوك إذا بعض ما يعتبر في الشّيء شطرا أو شرطا وقد عرفت أنّه لا جامع بين الشّك في الشّيء بالمعنى الأوّل وبينه بالمعنى الثّاني
قوله : بل لا يصحّ ذلك في موثقة ابن أبي يعفور إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّه قد يورد عليه بأنّ المتعيّن في الموثّقة هو المعنى الأوّل بمقتضى ظاهرها فإنّ الظَّاهر من قوله إذا شككت في شيء من الوضوء كون المراد من الشّيء نفس المشكوك الَّذي هو جزء الوضوء لا كون المراد منه الوضوء وكون المشكوك أجزاءه حتّى يتعيّن إرادة المعنى الثّاني ولا ينافيه كون المراد من الغير غير الوضوء بالإجماع إذ لا تنافي بينهما فلا يصير دليلا على كون المراد من الشّيء نفس الوضوء بل ربما قيل بكونه يصير دليلا على كون مرجع الضّمير هو الوضوء ؛ فتأمّل
وبالجملة كلَّما نتأمّل لا نفهم وجها لما ذكره أصلا بل أصل إرادة المعنى الثّاني من الرّواية لا يستقيم بظاهرها لانحصار تصحيحه بجعل قوله ومن الوضوء بيانا للشّيء وهو كما ترى فتدبّر
قوله : ولكنّ الإنصاف إمكان تطبيق إلخ
أقول : قد عرفت وجه تطبيقه على وجه يمكن إرادة المعنى الأوّل فراجع وأمّا الموثّقة الثّانية فوجه تطبيقها على ما في الرّوايات هو جعل الوضوء أمرا بسيطا في نظر الشّارع لا تركيب له أصلا حتّى يتصوّر فيه المعنى الثّاني وستقف على شرح القول فيه
قوله : إنّ المراد بمحلّ الفعل المشكوك في وجوده إلخ
أقول : لا يخفى عليك ظهور ما ذكره من التّعميم على القول بكون المناط المستكشف من الأخبار هو مجرّد التّجاوز عن محلّ المشكوك فيلغو الشّك فيه بعده وأمّا على القول باعتبار الدّخول في الغير فيمكن الحكم بالتّعميم أيضا فنقول على تقديره إنّ المراد من الغير هو ما كان مترتّبا على المشكوك إمّا ترتّبا شرعيّا أو عقليّا أو عرفيّا أو عاديّا فلا فرق في التّعميم بين القولين
ثمّ إنّ الدّليل على هذا التّعميم هو كون التّجاوز عن المحلّ أو الدّخول في الغير من قبيل غيرهما من الألفاظ الَّتي لا بدّ من الرّجوع في المراد منها عموما وخصوصا إطلاقا وتقييدا إلى اللَّغة أو العرف أو الشّرع على ما هو الشّأن في جميع موارد تعلَّق الحكم باللَّفظ والمفروض عدم ثبوت الحقيقة الشّرعيّة فيها فتعيّن الرّجوع فيها إلى اللَّغة والعرف وليس اختلاف بينهما في المقام حتّى نتكلَّم في ترجيح أحدهما على الآخر مع أنّه لا إشكال في ترجيح الثّاني ومن المعلوم حكم العرف بما ذكرنا من التّعميم
قوله : ومحل الرّاء من أكبر قبل أدنى فصل إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ الرّاء في أكبر ليس من الرّاء السّاكن فلعلَّه سهو من قلمه الشّريف فالمتعيّن المثال له بالكاف
قوله : فإنّه ربما يتخيّل انصراف إطلاق الأخبار إلخ
أقول : لا يخفى عليك فساد هذا التّخيّل إذ لا وجه له أصلا إذ لو بني على أنّ المراد بالمحلّ هو المحلّ الشّرعي وأنّ المراد بالغير هو الأمر المترتّب شرعا على المشكوك فلا بدّ من أن يبتنى على عدم اعتبار غير المحلّ الشّرعي والغير الشّرعي وهو كما ترى مضافا إلى أنّه لا شاهد لهذا الانصراف أصلا كما لا يخفى
قوله : مع أنّ فتح هذا الباب بالنّسبة إلى العادة إلى آخره
أقول : لا يخفى عليك أنّ البناء على اعتبار المحلّ مطلقا وبعمومه يلزم منه فروع لا يلتزم بها الفقيه قطعا بل لا يبعد كون الالتزام به في بعض الفروض خلاف الضّرورة من الفقه والفرق أيضا ممّا لا معنى له
نعم ؛ ظاهر جماعة حسبما حكى عنهم الأستاذ العلَّامة الالتزام باعتبار العادة في معتاد الموالاة في الغسل فإذا شكّ وقت الظَّهر أنّ الغسل الَّذي فعله سابقا كان تامّا من حيث الأجزاء من حيث كونه ترتيبيّا مع اعتياده عدم الفصل بين أجزائه كما هو المتعارف بنى على وقوعه تامّا ولكن لم يظهر من هؤلاء الالتزام بهذه المقالة في أمثال الفرع ممّا أشار إليه الأستاذ العلَّامة وممّا لم يشر إليه من الفروع الكثيرة الغير المخفيّة على المتأمّل ولكن لم يفهم المراد ممّا ذكره الأستاذ العلَّامة من أنّ فتح باب اعتبار العادة يوجب مخالفة إطلاقات كثيرة فإنّه إن أريد به إطلاقات أوامر الأفعال ففيه أنّ الأوامر المتعلَّقة بالأفعال لا يقتضي إلَّا وجوب إيجادها في الخارج أمّا وجوب الإتيان بها وامتثالها عند الشّك فيها فهو حكم عقلي لا دخل له بحديث
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 194
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٩٤