النّاسخ وسيجئ تحقيق القول في حكم تعارض النّص والظَّاهر في الجزء الرّابع من التّعليقة إن شاء اللَّه تعالى
قوله : وإمّا لأنّها وإن كانت من الأصول إلخ
أقول : لا فرق في ذلك بين القول باعتبار الاستصحاب من باب الظَّن أو من باب التّعبّد لما قد عرفت سابقا في وجه تقديم اليد على الاستصحاب بناء على القول باعتبارها من باب التّعبّد وكون اعتباره من باب الظَّن فراجع
قوله : وربما يستفاد العموم من بعض إلخ
أقول : لا يخفى عليك الوجه في استفادة العموم من الرّواية الأخيرة فإنّ قوله هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشك في قوّة العلَّة المنصوصة والتّعليل بالصّغرى الدّال على الكبرى المسلَّمة المفروغ عنها كما لا يخفى وأمّا الوجه في استفادته من الرّواية الثّانية فبأن يدّعي أنّها في مقام إعطاء الضّابطة والحكم باعتبار المضي والتّجاوز عن الشّيء مطلقا بإلقاء خصوصيّة الصّلاة والطَّهور وإن كان لا يخلو عن إشكال وأمّا الوجه في استفادته من الرّواية الأولى فهو دعوى كونها في مقام إلقاء الشّك المتجاوز عن محلَّه والمراد من الحائل هو مجرّد الدّخول في حالة مغايرة والانتقال إليها ولكنّك خبير بأنّ هذه الاستفادة مشكلة
قوله : إنّ الشّك في الشّيء ظاهر لغة إلى آخره
أقول : لا يخفى عليك أنّ الشّك في الشّيء يطلق على ثلاثة معان
أحدها : كون المشكوك نفس الشّيء الَّذي دخلت كلمة في عليه كما هو الظَّاهر الغالب في إطلاقه فيكون في إذا للتّعدّي والصّلة وهي بهذا المعنى تقدّر في المشكوك كما لا يذكر معه لفظه فهذا الإطلاق يكون جاريا على طبق الأصل في الأفعال المتعدّية بالحروف فعلى هذا يكون المراد من الشّيء الَّذي دخلت عليه هو المشكوك سواء كان المراد منه الشّيء باعتبار وجوده أو هو باعتبار صحّته أو نفس الصّحة والوجود أو غيرها من الأشياء
ثانيها : كون مدخول في ظرفا للمشكوك كما يقال شككت في الصّلاة في إتيان السّورة لا نفس المشكوك
ثالثها : كون مدخولها ظرفا للشّك دون المشكوك باعتبار حصول الشّك فيه في المدخول كما يقال شككت في الصّلاة في موت زيد أو قيام عمرو أو جلوس بكر إلى غير ذلك والظَّاهر من هذه المعاني عند الإطلاق مجرّدا عن الصّارف هو الأوّل بمقتضى حكم العرف على ما عرفت بل قد يدّعى كون لفظة في حقيقة فيه وإن كانت هذه الدّعوى لا تخلو عن تأمّل وبالجملة ظهورها فيه ممّا لا ينبغي إنكاره مضافا إلى كونه مطابقا للاعتبار من حيث إنّ احتياج الشّك إلى المشكوك أكثر من احتياجه إلى المشكوك فيه هذا ولكنّك خبير بأنّ مطابقة الاعتبار لا يجدي شيئا لأنّ المدار في باب الألفاظ على الأقربيّة العرفيّة لا الاعتباريّة فإنّه لا اعتبار بها أصلا كما لا يخفى
ثمّ إنّ من المعلوم الَّذي لا يحتاج إلى البيان كون هذه المعاني للفظة في متضادّة لا يجوز إرادتها من إطلاق واحد وعدم وجود قدر مشترك لها حتّى يحكم بإرادتها من إرادته مع أنّه لو كان لم يجز استعمال اللَّفظ فيه حيث إنّ المستعمل فيه في الحروف دائما هو الخصوصيّات لا القدر المشترك بينها كما حقّق مستقصى في محلَّه وبالجملة معاني الحروف معان آليّة ربطيّة جزئيّة لا يجوز جمعها في إطلاق واحد وليست ثمّة وحدة تجمعها حتّى تصير مصحّحة لإرادتها
إذا عرفت ذلك
فنقول : أمّا المعنى الثّالث فلا نتكلَّم فيه إذ لا تعلَّق له بالمقام وليس المراد من الأخبار يقينا وإنّما الأمر دائر بين الحكم بإرادة المعنى الأوّل من الأخبار أو الثّاني فالكلام يقع في مقامين أحدهما في تعيين ما هو المراد من المعنيين ثانيهما في بيان حكم كلّ من المعنيين ولازمه
أمّا الكلام في المقام الأوّل : فملخّص القول فيه أنّه قد يقال بكون المراد في جملة من الرّوايات هو المعنى الثّاني لا الأوّل حيث إنّ الظَّاهر من المضي على المشكوك وتجاوزه والخروج عنه كون أصل وجوده مفروغا عنه وكون المراد من نسبة وقوع الشّك هو وقوعه فيه باعتبار بعض ما يعتبر فيه شرطا أو شطرا فالأخبار المشتملة على هذه الأمور ظاهرة في المعنى الثّاني لا الأوّل ولا محتملة لإرادة كلّ من المعنيين على حدّ سواء حتّى توجب الإجمال فيها وقد يقال إنّ المراد منها المعنى الأوّل فإنّ إمضاء الشّيء لا يستلزم وجوده يقينا بل المراد من إمضائه هو الحكم بأنّه كذلك في الواقع ونفس الأمر وأمّا الخروج والتّجاوز فالمراد منهما هو الخروج والتّجاوز عن محلّ المشكوك وإن كان ظاهرهما التّجاوز عن نفس المشكوك إذ مورد أكثر الأخبار المشتملة عليها هو الشّك في أصل الوجود وتخصيص المورد ممّا لا معنى له وإرادة المعنيين معا أيضا قد عرفت فساده فلا بدّ من أن يراد المعنى الثّاني هذا ولكنّك خبير بأنّ جميع الرّوايات المذكورة حسبما اعترف به الأستاذ العلَّامة دام ظلَّه في مجلس البحث وفي الكتاب ليس موردها ما يوجب إرادة المعنى الأوّل بل الَّذي ثبت إنّما هو بالنّسبة إلى بعضها والمفروض أنّه لا تعارض بين ما يكون ظاهرا في المعنى الأوّل وبين ما يكون ظاهرا في المعنى الثّاني إذ هما من المثبتين اللَّذين لا تعارض بينهما بالذّات والمفروض وجود القول من الأصحاب بكلّ من المعنيين فيحكم بإرادته والقول بأنّ الرّاجع إلى الأخبار المتأمّل فيها يعلم أنّها بأسرها وردت لبيان مطلب واحد فالمتعيّن إذا
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 193
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٩٣