لم يكن بعنوان الميراث بل بعنوان العطية والنّحلة وكيف ما كان دعواها صلوات الله عليها العطيّة على خلاف الاستصحاب قطعا بناء على صيرورة فدك ملكا للنّبي صلى الله عليه وآله وانتقاله منه صلى الله عليه وآله إليها عليه السلام بعنوان العطيّة وهذا بمجرّده وإن لم يكن ممّا استند فيه ذو اليد ملكه إلى تمليك المدّعي والتّلقي عنه فيستظهر منه في بادي النّظر عدم ارتباطه بما أفاده دام ظلَّه إلَّا أنّه بعد ضمّ المقدّمة الباطلة إليه الَّتي ادّعاها أبو بكر من كون فدك لولا العطيّة والنّحلة ملكا للمسلمين وكونه وليّا عليهم وإن أخذه فدكا من وكيلها عليه السلام من باب الولاية عليهم يجعله منه إذ لا فرق في استناد ذي اليد ملكه إلى التّلقي من المدّعي أو من مورّثه أو ممّن ينتقل الملك منه إلى المدّعي بسبب آخر على تقدير فساد دعوى ذي اليد كما في فرض الرّواية المبني على تسليم مقدّمات واضحة البطلان منها الإغماض عن عصمة الصّديقة الطَّاهرة سلام اللَّه عليها وعلى أبيها وبعلها وأبنائها الطَّيبين الطَّاهرين هذا كلَّه بناء على ما ربّما يستظهر من الحديث الشّريف من دعواها عليه السلام العطيّة من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وأمّا بناء على ما ربما يستظهر منه من كون تملَّك الزهراء عليها السلام فدكا بتمليك اللَّه تعالى وأنّه مستثنى من الأنفال كما هو أحد الوجهين في قوله وآت ذا القربى حقّه من كونه حقّا لها بجعل اللَّه تبارك وتعالى لا بتمليك النّبي صلى الله عليه وآله فمفروض الحديث غير منطبق على ما أفاده
نعم ؛ بعد ضمّ مقدّمة أخرى وهي أصالة عدم التّخصيص في عموم آية الأنفال تصير فاطمة عليها السلام مدّعية وإن توقف بعد ملاحظتها أيضا على عدم توريث الأنبياء عليهم السلام وغيره من الأمور الباطلة المشار إليها لكنّه لا تعلَّق له بالاستصحاب على هذا التّقدير حتّى ينطبق على ما أفاده أو لا ينطبق عليه بل على تقدير الإغماض عن العموم لم يجز التّمسّك بالاستصحاب والفرض هذا لأنّ استصحاب عدم تملَّك الصّديقة عليها السلام معارض باستصحاب عدم تملَّك النّبي صلى الله عليه وآله في الفرض وكيف ما كان دخول المسألة فيما أفاده مبنيّ على دعواها عليه السلام التّلقّي من النّبيّ صلى الله عليه وآله هذا ولكن يمكن أن يقال خروجا عن خلاف المشهور أنّ مقتضى الاستصحاب وإن كان عدم الانتقال إلَّا أنّه بمجرّده لا يعارض اليد ودعواها عليه السلام التّلقّي من النّبي صلى الله عليه وآله دعوى لا معارض لها لأنّ أحدا من المسلمين لم يعارضها
ولم يدّع خلافها ودعوى أبي بكر إنّما هي من حيث الولاية على المسلمين لا لشخصه وإلَّا لم يكن معنى لمطالبة البيّنة اللَّهم إلَّا أن يقال إنّ المراد من المسلم إن كان من كان مؤمنا باللَّه ورسوله صلى الله عليه وآله مصدّقا لجميع ما جاء به واقعا فما ذكر حقّ لا محيص عنه إلَّا أنّه لم يكن في ذلك الزّمان إلَّا القليل ممّن رعى الحقّ فيرجع حقيقة إلى إنكار أصل دعوى ولاية أبي بكر وصريح الرّواية الإغماض عن ذلك وإن كان من يظهر الإيمان باللَّه والرّسول فيمنع من عدم ادّعاء أحد منهم الفدك وإنكاره على الصّديقة الطَّاهرة عليها السلام ويكفي في ذلك من يروي الحديث المجعول وأقرّ عليه فتدبّر
ثمّ إنّ إقدامها عليه السلام على إقامة البيّنة من أوّل الأمر وشهادة أمير المؤمنين عليه السلام لها لا ينافي تخطئته عليه السلام لأبي بكر في مطالبة البيّنة منها عليه السلام فإنّ إقدامها عليه السلام ربما يكون من باب المماشاة أو قناعة البيّنة عن اليمين وكفايتها عنها في حقّ ذي اليد كما هو المختار عندنا وجماعة وأمّا تعيين البيّنة في حقّها كما هو صريح قول أبي بكر فهو الَّذي أبطله الأمير صلوات اللَّه عليه بقول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله البيّنة على المدّعي واليمين على من ادّعي عليه فلا تنافي بينهما أصلا كما لا يخفى كما أنّ استشهاده عليه السلام بآية التّطهير على تخطئة أبي بكر في مطالبة البيّنة وعدم جوازها ولزوم تصديقها عليه السلام من حيث العلم بصدقها لا ينافي الإقدام على طيّ الدّعوى بقانون القضاء وميزان فصل الخصومة فإنّ مبناه على المماشاة أيضا وبقوله عليه وعلى أخيه ونجلهما الطَّاهرين ألف التّحيّة والسّلام أخيرا أراد بيان مخالفة مطالبة أبي بكر البيّنة من الصّديقة الطَّاهرة عليها السلام لآية التّطهير وقول النّبي صلى الله عليه وآله في ميزان القضاء فلا تنافي بينهما أصلا هذا وإن أردت شرح القول فيما يتعلَّق بالحديث الشّريف والمقام فارجع إلى ما حرّرناه في كتاب القضاء والشّهادات
قوله : ولا يخفى أنّ عمل العرف عليه من باب الأمارة
أقول : لا يخفى عليك أنّ ما ذكره في كمال الجودة فإنّ الحكم بأنّ بناء العرف والعقلاء في أمورهم على التّعبد فاسد جدّا لأنّه مخالف لما نشاهد من أنفسنا معاشر العقلاء بل قد عرفت في طيّ كلام الأستاذ العلَّامة في السّابق أنّه ممّا لا معنى له لأنّ التّعبّد بشيء يتوقّف على من يتعبّد به وإن كان قد يناقش فيه بما لا يخفى
قوله : وأمّا تقديم البيّنة على اليد إلخ
أقول : لا يخفى عليك كمال جودة ما ذكره دام ظلَّه من عدم دلالة تقديم البيّنة على اليد على كون اليد من الأصول لا الأمارات فإنّك قد عرفت غير مرّة أنّه قد يوجد الحكومة والورود بين الدّليلين الاجتهاديّين كما يوجد التّعارض بينهما وأمّا ما ذكره في وجه تقديم البيّنة على الاستصحاب فالظَّاهر منه كونه من باب ورود البيّنة على اليد من حيث كون اعتبارها من جهة الغلبة الموجبة للحوق المشكوك فيما لم يكن هناك أمارة معتبرة تنجيزيّة على الخلاف وقد تقدّم بعض الكلام في ذلك فراجع إليه
قوله : وحال اليد مع الغلبة إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّه كان عليه أن يبدّل الغلبة بالبيّنة والظَّاهر أنّه غلط
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 192
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٩٢