تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
فإنّ الحاكم ما لم يحرز العلَّة التّامّة للحكم في القضيّة لا يعقل له الحكم به فيها فالشّك في القضايا العقليّة لا يمكن أن يكون في المحمول مع القطع بوجود الموضوع بل لا بدّ أن يكون من جهة الشّك في ارتفاع ما له دخل في الموضوع من القيود المعتبرة فيه وإلَّا لزم انفكاك العلَّة عن المعلول لما قد عرفت من أنّ الموضوع في القضايا العقليّة لا بدّ من أن يكون علَّة تامّة لوجود المحمول وإلَّا امتنع الحكم به ولمّا كان الحكم الشّرعي المستند إلى الحكم العقلي عارضا لما هو معروض للحكم العقلي حسب ما هو قضيّة التّلازم فلا بدّ من أن يكون الشّك فيه دائما من جهة الشّك في نفس الموضوع فلا يصدق معه الاستصحاب موضوعا حسب ما عرفت فإن قلت : الحاكم إنما يحتاج إلى إحراز العلَّة التّامّة للحكم في زمان الحكم به لما قد ذكرت من استحالة الحكم بشيء من دون إحراز العلَّة التّامّة له وهذا لا ينافي الشّك في بقاء الحكم الَّذي يسمّى بالوجود الثّانوي من جهة الشّكّ في نفس المحمول لأجل احتمال وجود الرّافع أو رافعيّة الموجود مع إحراز الموضوع في زمان القطع به نعم ؛ قضيّة ما ذكر عدم إمكان الحكم في زمان القطع به إلَّا بعد الإحاطة بجميع ما له دخل فيه من الوجودات والأعدام لكن الحاكم بالاستصحاب ليس نفس ما دلّ على ثبوت الحكم في الزّمان الأوّل حتّى يحتاج إلى إحراز العلَّة التّامّة وإلَّا لم يكن من الاستصحاب في شيء بل الحاكم فيه إمّا الأخبار النّاهية عن نقض اليقين بالشّك أو الحكم العقلي الظَّني بالبقاء قلت : بعد تسليم أنّ العقل لا يحكم بشيء إلَّا بعد الإحاطة بالعلَّة التّامّة لا وقع للسّؤال المذكور لأنّ الشّك في بقاء الحكم في الزّمان الثّاني لا يعقل إلَّا من جهة الشّك في وجود العلَّة التّامّة فيه إمّا من جهة الشّك في وجود ما لعدمه دخل فيه أو عدم ما لوجوده دخل فيه وإلَّا لزم تفكيك العلَّة عن المعلول الَّذي يقضي صريح العقل باستحالته فبعد وجود ما يشكّ في رافعيّته للحكم في الزّمان الثّاني لا بدّ من أن يشكّ في بقاء الموضوع في القضيّة العقليّة بل يقطع بعدمه لأنّ العقل إنما حكم مع أخذ عدمه في الموضوع وإلَّا لم يعقل الشّك في بقاء المحمول من جهته فمع وجوده يتبدّل موضوع الحكم إلى موضوع آخر فالرّافع ممّا لا يتصور له معنى في القضايا العقليّة المستندة إلى العلَّة التّامة للشّيء لأنّ الرّافع عبارة عمّا يكون مانعا من اقتضاء المقتضي للاقتضاء أينما وجد فإن وجد في الزّمان الأوّل فيسمّى دافعا وإن وجد في الزّمان الثّاني فيسمّى رافعا فالرّافع هو المانع حقيقة ومعلوم أنّ عدم المانع من أجزاء العلَّة التّامّة فمتى شكّ في وجوده يشكّ في بقاء ما هو الموضوع في القضيّة العقليّة على ما عرفت أنّ الموضوع في القضايا العقليّة هو العلَّة التّامّة ومن هنا أطبق الأصوليّون على عدم تطرّق النّسخ في الأحكام العقليّة من حيث إنّ وجود العلَّة الَّتي هي الموضوع في حكمه لا ينفكّ عن الحكم والمفروض أنّه ليس له قضيّة لفظيّة يتوهّم الاستمرار الظَّاهري فيها كما في القضايا الشّرعيّة ولأجل ما ذكر أوردوا على من ذهب إلى كون الحسن والقبح ذاتيّين في جميع الأفعال بأنّهما لو كانا ذاتيّين لما وقع النّسخ في الشّريعة وإن أجابوا عنه بما لا ينافي ما ذكرنا وليس هنا محلّ ذكره ومن أراده فليراجع إلى ما كتبناه في التّحسين والتّقبيح مفصّلا فإن قلت : كيف ينكر حكم العقل بشيء مع عدم إحرازه جميع ما يعتبر فيه من الأعدام والوجودات من حيث المدخليّة مع أنّه يرى بالوجدان والعيان حكمه بشيء على سبيل الاستقلال مع عدم إحاطته بما ذكر في مورد يقطع بتحقّق جميع ما له دخل في تحقّق الشّيء إجمالا على فرض المدخليّة وإن لم يعلم أصل المدخليّة وهذا معنى تمسّكهم كثيرا بقاعدة الاشتغال وتحصيل القطع بالبراءة في دوران الأمر بين التّخيير والتّعيين كثيرا في الأحكام العقليّة في الأصول والفروع فما ذكرته من أنّه لا بدّ في حكم العقل أن يحرز مدخليّة عدم ما شكّ في رافعيّته في زمان الحكم لا وجه له لم لا يحكم به من جهة العلم إجمالا بوجود ما له دخل في الحكم بحسب الواقع بأن يقطع بعدم ما شكّ في رافعيّته في زمان الحكم قلت أوّلا : إنّ ما ذكرته من إمكان الشّك للحاكم في أنّ أيّ شيء له مدخل في حكمه وإن علم إجمالا بتحقّق ما له دخل فيه في الواقع في زمان الحكم مع عدم علمه بأنّه أيّ شيء وكيف هو غير معقول بالنّسبة إلى نفس الحاكم لأنّ المدخليّة الواقعيّة وعدمها إنما هو بالنّظر إلى حكمه وإلَّا فلا واقعيّة لما له دخل في الحكم من حيث الوصف بالنّظر إلى نفس الحاكم كما هو غير مخفيّ على ذوي الأفهام المستقيمة ودعوى الوجدان والعيان فيه مخالفة للوجدان والعيان بل الضّرورة من جميع ذوي الأفهام وأمّا التّمسّك بتمسّكهم بقاعدة الاشتغال في دوران الأمر في الأحكام العقليّة الَّذي يلزمه جهل العقل بما هو المناط في الحكم فقد ذكرنا شطرا من الكلام عليه فيما علَّقناه على الجزء الأوّل والثّاني من الكتاب فراجع إليه حتىّ تكون على بصيرة منه وثانيا : سلَّمنا تعقّل ما ذكرته لكنّه أيضا لا يضرّ ما نحن بصدده لأنّ الشّك في الحكم العقلي في الزّمان الثّاني بناء على ما ذكرته مستندا إلى وجود ما يحتمل مدخليّة عدمه في وجود الحكم غاية الأمر أنّه لمّا كان معدوما في الزّمان الأوّل على سبيل الإجمال حكم العقل بما حكم به فلمّا وجد في الزّمان الثّاني شكّ فيه ومعلوم أنّ هذا الشّك أيضا يرجع إلى الشّكّ في بقاء الموضوع إذ يحتمل أن يكون عدم الموجود جزءا له فبوجوده يشكّ في بقائه فأين القطع بوجود الموضوع في القضايا العقليّة في زمان الشّك وأين الشّك الغير المستند إلى الشّك في بقاء الموضوع فيها نعم ؛ هنا شيء قد يقال علي