بإمكان تحقّق الاستصحاب موضوعا في الأحكام الشّرعيّة المستندة إلى القضيّة العقليّة وهو القول بكون الحاكم في إحراز الموضوع والبقاء والنّقض في باب الاستصحاب هو العرف ولو من باب المسامحة فكلّ ما حكم العرف به في الزّمان الثّاني أنّه كان كذا فشكّ في بقائه كلَّية يحكم بتحقّق الاستصحاب موضوعا وإن رجع الشّك بمقتضى الدّقة العقليّة إلى الشّك في بقاء الموضوع فإذا حكم العرف بكون هذا المائع حراما سابقا من جهة حكم العقل بحرمته من حيث صدق عنوان المضرّ عليه مع كونه مشكوك الضّرر في الزّمان الثّاني الَّذي يلزمه الشّك في موضوع الحكم بمقتضى الدّقة العقليّة من حيث إنّ الموضوع في حكمه هو نفس عنوان المضرّ لا المائع المخصوص من حيث كونه مائعا وإلَّا لم يعقل الشّك في بقاء حرمته غاية الأمر أنّه حكم بحرمته في السّابق من جهة وجود ما هو معروض للحرمة فيه وصدقه عليه إلَّا أنّ العرف ربما يتسامحون ويقولون إنّ هذا المائع كان حراما فشكّ في حرمته من غير أن ينظروا إلى كون الحرمة عارضة للعنوان المضرّ الموجود فيه سابقا لا لنفسه هذا ولعلَّه يأتي بعض الكلام منّا في ذلك على هذا التّقدير أيضا فانتظر
ثمّ إنّ الكلام في المقام إنما هو بالنّظر إلى استصحاب الحكم الشّرعي المستند إلى الحكم العقلي وأمّا استصحاب الموضوع كاستصحاب الضّرر في المثال المذكور ليترتّب عليه الحكم فهو كلام آخر لا دخل له بالكلام في المقام وسنكلَّم فيه إن شاء اللَّه
قوله : وهذا بخلاف الأحكام الشّرعيّة فإنّه قد يحكم الشّارع على الصّدق إلخ
أقول : أراد بذلك دفع ما ربما يتوهّم من جريان ما ذكره في استصحاب الأحكام الشّرعيّة أيضا فيما لم يكن مستندا إلى القضيّة العقليّة فإنّ الشّك في الحكم دائما لا بدّ أن يكون مستندا إلى الشّك في المناط والعلَّة التّامّة فيلزم منه سدّ باب الاستصحاب في جميع الأحكام وحاصل الدّفع أنّ الشّك في الحكم الشّرعي وإن كان مستندا إلى الشّك في بقاء المناط والعلَّة له دائما بل الشّك في جميع الأشياء وجودا وبقاء لا بدّ من أن يستند إلى الشّك في العلَّة التّامة إلَّا أنّه لا ملازمة بين العلَّة التّامة والموضوع في القضايا الشّرعيّة بمعنى أن يكون الموضوع فيها هو العلَّة التّامة دائما فيمكن أن يحكم الشّارع بحرمة عنوان شكّ في بقاء حرمته في ثاني الزّمان مع القطع ببقاء أصل العنوان المعروض للحكم في القضيّة من جهة الشّك فيما هو المناط للحكم في نظر الشّارع واقعا وأنّه هل هو موجود أم لا فيقال حينئذ إنّ العنوان الكذائي كان حراما سابقا والأصل بقاء حرمته وهذا بخلاف الحكم العقلي فإنّه إنما يعرض لما هو المناط والعلَّة أوّلا وبالذّات
قوله : قدس سره فإن قلت على القول إلخ
أقول : هذا ردّ على ما ذكره من التّفرقة بين الأحكام العقليّة والشّرعيّة بقوله وهذا بخلاف إلى آخره وحاصل الإيراد أنّ من المقرّر عند العدليّة من الإماميّة والمعتزلة بالبراهين العقليّة وبالأدلَّة القطعيّة النقليّة كون الأحكام الشّرعيّة تابعة للمصالح والمفاسد النّفس الأمريّة العارضة للأفعال وإن اختلفوا في كون عروضها بالذّات أو بالاعتبار وكونها ألطافا في الأحكام العقليّة ولهذا اتّفقوا على أنّ ما حكم به الشّرع حكم به العقل أيضا كما أنّ ما حكم به العقل حكم به الشّرع أيضا خلافا للأشاعرة المنكرين للتّحسين والتّقبيح العقليّين وتبعيّة الأحكام الشّرعيّة للجهات لزعمهم كون نفس الإرادة مرجّحة فالحسن عندهم ما أوجبه الشرع كما أنّ القبيح ما نهى عنه الشرع من غير أن يكون للأمر والنّهي تأثير في الفعل كما أنّهما ليسا من آثار الجهات ومعنى القضيّة أنّه بعد ما أدرك العقل كون حكم الشرع مسبّبا عن الجهات المقتضية له في نفس الأمر وإلَّا لزم التّرجيح بلا مرجّح وقطع بحكمه في قضيّة يحكم إجمالا بأنّه لا بدّ من أن يكون كذلك في الواقع من حيث كونه مسبّبا عمّا يقتضيه واقعا وفي نظر الشّرع الَّذي لا يتخلَّف عن الواقع أبدا وإن لم يعلم تفصيلا بما هو المناط له في نظر الشّارع إلَّا أنّه يعلم إجمالا بوجوده من جهة حكم الشّارع المعلول له بالفرض فالحكم الشّرعي لا ينفكّ أبدا عن حكم العقل بالمعنى الَّذي عرفته ففي الحقيقة يرجع حكم العقل إلى تصديق الشّرع في حكمه من جهة علمه إجمالا بوجود المرجّح لحكمه وإليه يرجع ما عن بعض الأفاضل في معنى القضيّة أنّ العقل على تقدير علمه تفصيلا بالجهة يحكم حكما إنشائيّا على طبق حكم الشّرع فليس حكم الشّرع دليلا على حكم العقل كما في حكم العقل بالنّسبة إلى حكم الشّرع كيف ويمتنع حكم العقل مع عدم علمه تفصيلا بالمناط والجهة فالمناط في حكم العقل والشّرع لا بدّ من أن يكون واحدا وإلَّا لم يكن معنى لتطابقهما فإذا حكم الشّارع بحرمة شيء كالكذب مثلا فلا بدّ من أن يكون مناطه هو الجهة المقتضية للحرمة عند العقل واقعا بحيث لو علم به مع قطع النّظر عن بيان الشّرع لحكم بها فإذا بني على عدم تحقّق موضوع الاستصحاب
في الأحكام العقليّة لا بدّ من أن يبنى عليه في الأحكام الشّرعيّة أيضا لعدم انفكاكها عن الأحكام العقليّة بمقتضى التّلازم الثّابت من الطَّرفين وهذا البيان كما ترى صريح في النّقض بالأحكام الشّرعيّة الثّابتة بالأدلَّة الشّرعيّة الغير المستندة إلى التّحسين والتّنقيح العقليّين من حيث اتحادها بحسب المناط للحكم العقلي الموجود في مورد حكم الشّرع بقاعدة التّطابق فالنّقض إنما هو بالنّسبة إلى الحكم الابتدائي للشّرع الَّذي هو المتبوع لا الحكم الثّانوي التّابع في الاستكشاف لحكم العقل فليس المراد منه النّقض بالأحكام الشّرعيّة الثّابتة من التّحسين والتّقبيح بملاحظة قاعدة التّلازم كيف ومحلّ الكلام والمنقوض هو نفس هذا الحكم وهذا هو مراد الأستاذ العلَّامة أيضا ممّا ذكره في العبارة حسب ما صرّح
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 17
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٧