تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
وصحّة العمل على ما تقرّر تفصيل القول فيه في الفقه فإذا نقول إن الَّذي يحرّك العقل به المكلَّف إلى فعل الواجبات ليس إلَّا خوف العقاب على تركها بحيث لا يكون الدّاعي له في الإقدام على الفعل إلَّا هذا المعنى لأنّه أمر مركوز في أذهان جميع النّاس بل جميع الحيوانات فضلا عن الإنسان غاية الأمر أنّه لو كان الواجب توصّليا يمكن رفع موضوع حكم العقل بوجوب الإطاعة وهو أمر الشارع بغير الامتثال فلا يحكم به من هذه الجهة لا أنّه يحصل الامتثال بمجرّد الإتيان بالمأمور به أو يكون حكم العقل بوجوب الإطاعة مختصّا بالواجبات التّعبديّة هذا ملخّص ما ذكره دام ظلَّه العالي ولكن يمكن المناقشة فيه بأنّ تحريك العقل إلى فعل الواجب وإن لم يكن إلَّا من جهة دفع الضّرر عن النّفس حسب ما هو قضيّة جبلَّة العاقل إلَّا أنّ مجرّد هذا المعنى لا يدلّ على وجوب ملاحظة هذا المعنى في العمل وقصده فيه بحيث لو فرض إتيانه به لا على الوجه المذكور من جهة علمه بعدم اشتراطه في صحّة العمل شرعا لم يكن آتيا بالواجب بل فعل فعلا لغوا وبالجملة فرق بين حكم العقل بوجوب ملاحظة التّقرب وهو إتيان الفعل تخلَّصا عن العقاب في العمل بأن يوقعه على هذا الوجه وبين كون العلَّة في حكمه وتحريكه هو وجود الضّرر في الشّرك والَّذي نسلَّمه هو الثّاني والَّذي ينفع في المقام هو المعنى الأوّل فتدبّر وأمّا رابعا : فلأنّه لو بني على كون المراد من الآية ما ذكر في تقريب الاستدلال بها على المدّعى لم يحتجّ إلى الاستصحاب أصلا بل لا يجري جزما لكفاية قوله تعالى وذلك دين القيّمة في إثبات الحكم في شريعتنا من غير أن يتمسّك بالاستصحاب بناء على كون المراد منها الثّابتة الَّتي لا تنسخ لا الحقّ المستقيم كما ذكره جماعة منهم الأردبيلي في آيات الأحكام قوله : قد عرفت أنّ معنى عدم نقض اليقين إلخ أقول : لا يخفى عليك أنّ هذا الأمر لا تعلَّق له بأحد الأمور الَّتي ذكره دام ظلَّه من أركان الاستصحاب إلَّا بتكلَّف ركيك ثمّ إنّك قد عرفت غير مرّة في طيّ كلماتنا السّابقة بعد استحالة إرادة ما هو الظَّاهر من الأخبار النّاهية عن نقض اليقين بالشّك أنّ المراد بدلالة الاقتضاء أو بحكم العرف عدم نقض المتيقّن بالشّك سواء كان من الموضوعات أو الأحكام لا بمعنى إبقائه واقعا لاستحالة ذلك أيضا بل بمعنى الالتزام بمقتضى بقائه على حسب اختلاف الاقتضاء باختلاف المتيقّن فعدم نقض كلّ شيء بحسبه وله معنى يحصل من النّسبة لا أن يكون اللَّفظ مستعملا في أكثر من معنى واحد وبعبارة أخرى المراد من الأخبار وجوب معاملة المكلَّف مع المشكوك المتيقّن سابقا معاملة الباقي واقعا وهذا المعنى كما ترى جعل من الشّارع وإنشاء لجميع الأحكام الشّرعيّة الواقعيّة المترتّبة على المتيقّن واقعا في الظَّاهر إن لم يكن قابلا لتعلَّق الجعل بنفسه كما إذا كان من الموضوعات وجعل نفس المتيقّن السّابق في مرحلة الظَّاهر مع ما يترتّب عليه من الأحكام إن كان قابلا لتعلَّق الجعل الظَّاهري به فالمجعول في هذه الأخبار من الشّارع ليس إلَّا الحكم الظَّاهري على طبق الحكم الثّابت في السّابق على ما هو شأنه من حيث إنّه شارع في جميع ما يصدر عنه فإنّه ليس إلَّا جعل الحكم والمقصود من المكلَّف في الموضوعين ليس إلَّا العمل كما هو الشّأن في جميع موارد تعلَّق الحكم بالمكلَّف فهذا الاختلاف ليس من جهة استعمال اللَّفظ في أكثر من معنى واحد بل هو أمر ينشأ من النّسبة باعتبار طرفيه فالحياة الظَّاهريّة مثلا ما جعل الشّارع لها أحكاما في صورة الشّك فيها وهو معنى الحكم بثبوتها ظاهرا وفي مقام الشّك وهذا بخلاف الوجوب الظَّاهري مثلا فإنّه ليس معناه إلَّا جعل نفسه في مرحلة الظَّاهر فمعنى عدم نقض كلّ شيء في حكم الشارع بمعنى وإن لم يكن المطلوب من المكلَّف في جميع المقامات إلَّا الالتزام والعمل وبمثل ما ذكرنا فليحرّر المقام لا بمثل ما حرّره الأستاذ العلَّامة دام ظلَّه العالي فإنّه لا يجري فيما إذا كان المستصحب حكما شرعيّا كما لا يخفى ثمّ إنّك بعد ما عرفت أنّ مرجع حرمة نقض اليقين بالشّك إلى جعل أحكام شرعيّة ظاهريّة على طبق الحكم الثابت سابقا من حيث كون عدم الالتزام به نقضا له يظهر لك أنّ الَّذي يعقل الحكم بكونه مجعولا إنّما هي الآثار الشّرعيّة المترتّبة على المستصحب كما في الموضوع أو هي مع نفسه كما في الحكم وأمّا غيرها من اللَّوازم العقليّة والعادية ونحوهما فلا يعقل جعلها قطعا كجعل نفس الموضوع لأنّ الشّارع من حيث هو شارع لا يمكن له إلَّا جعل الحكم الشّرعي وأمّا غيره فلا نعم ؛ الشّارع من حيث إنّه خالق له إيجاد كلّ شيء لكنّه لا دخل له بالمقام لأنّ الكلام من حيث التّشريع لا من حيث الخلق وأمّا ما يترتّب على تلك الأمور الغير الشّرعيّة الملازمة مع المستصحب في الوجود فلا معنى للحكم بثبوتها أيضا لأنّ المفروض أنّ موضوعها لم يكن قابلا للجعل حتّى يحكم بجعله بعموم الأخبار فيترتّب عليه تلك الآثار وعدم الالتزام بها مع هذا الفرض ليس نقضا لليقين بما صار موردا للاستصحاب حتّى يحكم بجعلها أيضا وموضوعها لم يجعل موردا للتّنزيل الشّرعي حتّى يحكم بأنّ معنى الحكم بثبوته في مقام الشّك هو جعل ما يترتّب عليه عند الشارع في الظَّاهر نعم ؛ لو كان المستصحب ممّا يقبل الجعل كالحكم الشّرعي ثبت بجعله في مقام الظَّاهر جميع ما يترتّب عليه من اللَّوازم سواء كانت شرعيّة أو غيرها إذا كان موضوعها الأعمّ من الحكم الواقعي والظَّاهري لا ما كان خصوص الواقعي من حيث هو واقعيّ بحيث يكون مناطه مختصّا به فتلخّص ممّا ذكرنا